No Result
View All Result
روناهي/ دير الزور – إنّ موسم جني القطن في دير الزور، الذي يبدأ مبكراً مع شروق الشمس ويمتد حتى ساعات الظهيرة، ليس عملية حصاد تقليدية، بل هو نسيج متين من القصص والحكايات، ترويهن نساءٌ حملن على عاتقهن مسؤولية الأرض والأسرة والمجتمع.
وفي هذه الأرض التي شهدت تقلبات الأيام وصراعات الأمس، تستمر نساء دير الزور في رواية قصة صمودهن من خلال العمل الدؤوب، وإثبات قدرتهن على العطاء رغم كل التحديات.
فرحلة جني القطن رحلة مليئة بالدروس، والقيم التي تتجاوز قيمة الإنتاج الزراعي، إنها قصة عن التكافل الاجتماعي، حيث تترابط الأيدي وتتكاتف الجهود عبر “الفزعات” التي يتبادلها الجيران والأقارب، لتخفيف عبء العمل وجعله مناسبة للألفة والتواصل.
طقوس مميزة رغم التعب
تقول “ندى الإبراهيم”، من النساء العاملات في جني القطن في دير الزور، وهي تبتسم رغم إرهاق العمل: “نحن نجني القطن الذي زرعناه في شهر نيسان. يبدأ يومنا مبكراً من الساعة الخامسة فجراً، ويمتد حتى الساعة الثانية عشرة ظهراً. إنّه عمل يتطلب جهداً كبيراً، لكنه يحمل في طياته بركة ورزقاً”.
وأضافت ندى، وهي تستعرض كومة القطن الأبيض الذي جمعته: “إنتاج القطن هذا العام جيد، لكنه لم يصل إلى مستوى العام الماضي. سقاية القطن تحتاج إلى خمس ريات خلال الموسم، وهذا يتطلب متابعة دقيقة”.
وأشارت إلى روح التعاون التي تميز مجتمعات الريف، وعن أهمية “الفزعة” التي قالت عنها: “في موسم جني القطن، لا نعمل بمفردنا. تأتي الفزعات من الجيران والأقارب، رجالاً ونساءً، لمساعدتنا في جمع المحصول. هذه الروح هي ما تجعل العمل أسهل وأكثر متعة”.
أما “فاطمة العزيز”، جارة ندى، تشاركها الحديث، وأضافت لمسة من الحنين إلى قصص الماضي: “أتذكر عندما كنا نجني القطن مع جداتنا. كان العمل أصعب، لكنه كان يحمل معه دفء العائلة والألفة. كنا نتجاذب أطراف الحديث، ونتبادل الأغاني الشعبية، ونحكي القصص التي توارثناها. كل خصلة قطن كنا نجمعها كانت تحمل قصة، وكل ورقة كانت تحمل ذكرى”.
اكتفاء ذاتي رغم ضعف الإنتاج
وتتابع فاطمة، وهي تتأمل أغصان القطن المتبقية بعد الحصاد: “بعد الانتهاء من جني القطن، نترك الأغنام تأكل أوراق الشجر. أما الأغصان المتبقية، فننتظرها حتى تجف، ثم نقلمها ونستخدمها في خبز التنور. كل شيء في نبات القطن له فائدة، ولا نرمي شيئاً”.
من جانب آخر، “زينب المحمد”، شابة تنشط في هذا العمل، تضفي روح الشباب على الروايات: “اليوم، ورغم صعوبة العمل، نشعر بالفخر بما ننجزه. جني القطن ليس مجرد عمل، إنه جزء من هويتنا، وإرثنا. نحن نفتخر بأننا نستطيع تأمين احتياجاتنا من خلال عمل أيدينا. وحتى لو كان الإنتاج هذا العام أقل من العام الماضي، فإننا نأمل أن يتحسن الوضع في المواسم القادمة”.
واختتمت زينب: “خلال جني القطن، نتعلم الكثير من بعضنا. الشابات يتعلمن من الكبيرات، ويكتسبن خبراتهن. نسمع قصصاً عن أيام الشدة، وكيف كانوا يتغلبون عليها. هذه القصص تعلمنا الصبر والمثابرة، وتشجعنا على مواصلة العمل رغم كل الظروف”.
وفي رحاب المساحات الممتدة التي تكتسي بياض القطن الناصع، حيث تتناغم سيمفونية العمل الشاق مع نسمات الفجر الأولى، تتجلى صورة المرأة الديرية كرمز للعزيمة والإصرار، رغم التحديات.
No Result
View All Result