زاوية الدين والحياة ـ علي زاخراني
يُعَدّ العلم نعمةً إلهيةً عظيمةً، وهبها الله للإنسان ليكون مفتاحاً لفهم الكون وتسخير موارده لخدمة البشرية. وفي الإسلام، يتجاوز العلم كونه مجرد أداةٍ للتقدّم المادي، ليُشكّل رسالةً حضاريةً تربط بين العقل والروح، وتجعله فريضةً ومسؤوليةً إنسانيةً. فقد جاء الإسلام برؤيةٍ شاملةٍ، تضع العلم في صميم نهضة الأمم، وتدعو إلى استثمار العقل في استكشاف الحقائق وتحقيق الخير العام.
أكّد القرآن الكريم على مكانة العلم وأهله، فجعل العلماء شهوداً على التوحيد بعد الله والملائكة، كما في قوله تعالى: “شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ” (آل عمران: 18).
وفي السنة النبوية، يبرز الحثّ على العلم بوضوحٍ في قول النبي ﷺ: “طلب العلم فريضة على كل مسلم”؛ ما يعكس أنّ الإسلام دينٌ يُعزّز دور العقل ويحثّ على البحث عن المعرفة كواجبٍ دينيٍّ وإنسانيٍّ.
ولا يقتصر مفهوم العلم في الإسلام على العلوم الشرعية، بل يمتدّ ليشمل كل معرفةٍ نافعةٍ تخدم الإنسان والمجتمع. فقد أولى العلماء المسلمون في عصور الحضارة الإسلامية اهتماماً كبيراً بالرياضيات والفلك والطب والهندسة، معتبرينها وسائل لفهم سنن الله في الكون وتسخيرها لصالح البشرية. هذه الرؤية الشاملة جعلت العلم في الإسلام جسراً يربط بين الروح والمادة، ويوجّه الجهود العقلية نحو تحقيق المنفعة العامة.
ومن منظورٍ عالميٍّ، يتجاوز الإسلام حدود الأمم والأعراق في تقديره للعلم، عادَّه ميراثاً إنسانياً مشتركاً. ففي أوج الحضارة الإسلامية، استفاد المسلمون من علوم الفرس واليونان والهند، وأضافوا إليها إبداعاتهم، ثم نقلوا هذا الإرث إلى أوروبا، ليسهموا في إشعال شرارة النهضة الحديثة. ويعكس ذلك مبدأً إسلامياً أصيلاً، وهو أنّ “الحكمة ضالّة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحقّ الناس بها”، مما يجعل العلم وسيلةً للتعارف والتعاون بين الشعوب.
إنّ تقدّم الأمم اليوم يُقاس بقدرتها على إنتاج المعرفة وتوظيفها في خدمة الإنسان. وهنا يبرز الإسلام برؤيته المتوازنة التي تربط العلم بالقيم الأخلاقية؛ فهو يحثّ على البحث والتجريب، لكنه يؤكّد أنّ العلم يجب أن يكون موجهاً لتحقيق الخير، بعيداً عن الفساد أو الإضرار بالبشرية. وهذا التوازن يجعل المنظور الإسلامي منسجماً مع الاتجاهات العالمية التي تسعى إلى تحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، حيث يصبح العلم أداةً لبناء عالمٍ أفضل. ويتميّز الإسلام بقدرته على الجمع بين العلم والإيمان في تناغمٍ فريد. فبينما يشجّع على النظر العقلي والاستكشاف، يذكّر بأنّ الغاية العظمى من المعرفة هي التقرّب إلى الله وإعمار الأرض وفق منهجه. وفي عالمٍ يعاني من أزماتٍ ناتجةٍ عن انفصال العلم عن القيم، تأتي هذه الرؤية لتقدّم نموذجاً متوازناً يُحتذى به.
وفي الختام، فإنّ العلم في الإسلام ليس مجرد أداةٍ ماديةٍ أو وسيلةٍ للهيمنة، بل هو رسالةٌ حضاريةٌ تحمل أبعاداً روحيةً وإنسانيةً. ومن خلال هذا المنظور، يقدّم الإسلام رؤيةً تجعل العلم جسراً للتعاون بين الأمم، ووسيلةً لتحقيق الخير والرفاه للبشرية جمعاء، مؤكداً أنّ العلم، حين يُوجَّه بالإيمان والأخلاق، يصبح قوةً بنّاءةً لنهضة الإنسانية.