No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
في ظل الانقسام الحاد الذي تعيشه سوريا منذ أكثر من عقد، لم يعد الحديث عن مركزية القرار أو وحدة الجغرافيا كافيًا لفهم تعقيدات المشهد السياسي. فسوريا، كما عرفها السوريون لعقود، لم تعد قائمة بوصفها كيانًا موحدًا، بل باتت تتفكك إلى مراكز نفوذ متنازعة، تتداخل فيها الحسابات الإقليمية مع الطموحات المحلية، وتغيب عنها القيادة الوطنية الجامعة القادرة على صياغة مشروع وطني جامع.
ما تشهده سوريا اليوم هو إعادة تشكيل غير معلنة للسلطة، حيث لم تعد المؤسسات الرسمية هي الفاعل الوحيد أو حتى الأبرز، فالمشهد السياسي بات يُدار من قبل قوى محلية وإقليمية، تتوزع بين سلطات الأمر الواقع، ومجالس محلية، وهيئات انتقالية، وقوى أمنية وعسكرية متعددة الولاءات. في هذا السياق، تبرز تركيا كفاعل إقليمي رئيسي، لا يكتفي بالتدخّل العسكري المباشر، بل يعتمد على أدوات غير رسمية، من مجالس محلية إلى شبكات اقتصادية وأمنية، لترسيخ نفوذه في شمال سوريا.
هذا التداخل بين المحلي والإقليمي يفرض ضرورة تفكيك الخطاب الرسمي الذي لا يزال يتمسك بمفاهيم مثل “السيادة” و”الوحدة الوطنية”، رغم أن الواقع يكشف عن تفكك فعلي في الجغرافيا وتشتت في القرار السياسي. كما يبرز غياب أي مشروع جامع تتبناه الحكومة الحالية، يعكس تطلعات السوريين بمختلف شعوبهم ويستجيب لتحديات المرحلة الراهنة.
إعادة تعريف مفاهيم الشرعية والديمقراطية
في ظل هذا التفكك، تبرز الحاجة إلى مراجعة جذرية لمفاهيم الشرعية والديمقراطية والسيادة، التي لطالما ارتبطت بالدولة المركزية، فالمشهد السوري الراهن يكشف عن هشاشة هذه المفاهيم حين تُختزل في السيطرة العسكرية أو الاعتراف الدولي، متجاهلةً أن الشرعية الحقيقية تُبنى على التمثيل الشعبي، وعلى قدرة المؤسسات على حماية الحقوق وضمان العدالة.
أما الديمقراطية، فقد تحولت في كثير من الأحيان إلى واجهة شكلية، تُستخدم لتبرير ممارسات سلطوية أو لإضفاء طابع قانوني على عمليات انتخابية تفتقر إلى الشمول والعدالة. وفي هذا السياق، يبرز نموذج الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا بوصفه تجربة سياسية واجتماعية تسعى إلى إعادة تعريف هذه المفاهيم على أرض الواقع.
فبعيدًا عن مركزية القرار، يقدم هذا النموذج تصورًا لا مركزيًا للسلطة، يقوم على المجالس المحلية، والتمثيل المجتمعي، والمشاركة الفعلية للمرأة والمكونات القومية والدينية في صنع القرار. إنه نموذج لا يدّعي الكمال، لكنه يحاكي تطلعات السوريين برمّتهم نحو حكم تشاركي، عادل، ومتجذر في السياق المحلي.
إن شرعية الإدارة الذاتية لا تُستمد من اعتراف دولي أو دعم إقليمي، بل من قدرتها على توفير الأمن النسبي، وإرساء مؤسسات مدنية، وضمان مشاركة واسعة في الحياة السياسية، في وقتٍ تعاني فيه معظم المناطق السوريّة من غياب الخدمات، وتهميش المجتمعات المحلية، وتفكك مؤسسات الدولة.
التعددية السياسية، في هذا النموذج، لا تُترجم إلى انقسام أو تنازع على السلطة، بل إلى توزيع عادل للتمثيل، وإلى آليات ديمقراطية تتيح للمجتمعات إدارة شؤونها وفق احتياجاتها وتطلعاتها. كما أن الانتخابات، حين تُجرى ضمن هذا الإطار، تكتسب شرعيتها من شفافيتها، ومن قدرتها على إشراك الفئات المهمشة، لا من مجرد إعلانها أو تنظيمها شكليًا.
إن إعادة بناء سوريا لا يمكن أن تتم عبر استنساخ نماذج سلطوية سابقة، بل عبر تبني تجارب محلية ناجحة، وعلى رأسها نموذج الإدارة الذاتية، بوصفه نواة لمشروع وطني جديد، يُعيد الاعتبار للمواطن بوصفه مصدر الشرعية، ويؤسس لديمقراطية تشاركية حقيقية، تُنهي منطق الهيمنة، وتفتح المجال أمام تمثيل فعلي لكل الشعوب، من السويداء إلى الحسكة، ومن إدلب إلى درعا.
في مواجهة مشاريع الإقصاء والهيمنة، تبدو الحاجة ملحة لإعادة صياغة المشروع الوطني السوري على أسس لا مركزية، ديمقراطية، وتشاركية. مشروع يضمن تمثيلًا حقيقيًا لكل الشعوب، ويعيد الاعتبار للمناطق المهمشة، ويقطع الطريق على محاولات فرض نموذج أحادي لا يعكس تعقيدات الواقع السوري.
إن تفكيك الخطاب الرسمي وتحليل الواقع كما هو – كما يُراد له أن يُرى- ليس مجرد تمرين فكري، بل هو ضرورة سياسية وأخلاقية، تفتح الباب أمام إعادة بناء سوريا بوصفها وطنًا لجميع أبنائها، لا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو لتكريس سلطات الأمر الواقع.
No Result
View All Result