أيلول رزكار (عضوة إعلام مؤتمر ستار)
في ظل الأنظمة السلطوية، التي توظّف الدين أداةً للقمع، يُختزل مصير المرأة؛ فتُقصى من الفضاء العام، وتُحشر في قوالب جاهزة للطاعة والخدمة، بينما تُفرض عليها قوانين جائرة باسم “الشرعية” و”الأخلاق”. من إيران إلى أفغانستان، ومن سوريا إلى العراق، يتكرّر المشهد البائس: شرطة الأخلاق، والحسبة، والحجاب الإجباري، ومنع التعليم والعمل. إنّه استغلال للدين، الذي يُفرغ الإيمان من جوهره الروحي والأخلاقي، ويحوّله إلى للهيمنة والسيطرة.
هذا التهميش ليس قدراً محتوماً، بل هو لتسيير قوانين مستبدة ونظام فاسد، صيغَ دون إرادة النساء وهذا النظام لا يعمل لصالح المرأة، عقد يجعل المرأة موضوعاً للوصاية، بدل أن تكون فاعلةً في صياغة شروط حياتها ومصير مجتمعها. لذلك، فإنّ المعركة الحقيقية لا تكمن في المطالبة بإصلاحاتٍ شكلية ضمن هذا العقد الذكوري، بل في اجتثاثه من جذوره وبناء عقد اجتماعي جديد؛ عقدٍ تُصاغ بنوده بقيادة التنظيمات النسوية الطليعية مثل “مجلس المرأة السورية” و”مؤتمر ستار”، ويُعاد فيه تعريف المفاهيم المحورية مثل السلطة، والأخلاق، والدين نفسه.
هنا، يبرز المشروع التحرري الذي طرحه القائد عبد الله أوجلان في براديغما “العصرانية الديمقراطية” كأفقٍ ثوري. فهو لا يهدف إلى إدخال المرأة في النظام القائم، بل إلى تفكيك النظام ذاته -ونظام الدولة القومية السلطوية ذات البنية الذكورية -والاستعاضة عنه بنموذج تنظيمي قائم على الكونفدرالية الديمقراطية.
في هذا النموذج، تُبنى المجتمعات من الأسفل، بشبكات من الكومينات والبلديات، التي تقودها هيئات مثل مجلس المرأة السورية، ومؤتمر ستار، والتي تمارس الديمقراطية المباشرة، وتعيد تعريف السلطة مشاركة جماعية، لا هرميّة قمعية. العقد الاجتماعي النسوي، في هذا الإطار، هو أكثر من منح حقوقاً؛ إنّه عملية إعادة تأسيس جذريّة للمجتمع.
عقدٌ تُصاغ فيه الأخلاق ممارسة جماعية حرة نابعة من ضمير المجتمع وعدالته، لا وصاية دينية أو دولة، وذلك من خلال المؤسسات النسوية التي أقامتها الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، تحت قيادة الحركة النسائية المنظمة، يُعاد فيه تعريف الدين ليعود إلى جوهره كمنظومة قيم روحية وأخلاقية، لا كأداةٍ للقتل والقتال، وهو ما تعمل عليه لجان التوعية التابعة لمجلس المرأة السورية ومؤتمر ستار، تتحول فيه المرأة من أداةٍ للضبط الاجتماعي إلى فاعلة مركزيّة، ومنظّمة، ومفكّرة، وقائدة.
هذه المجالس والتنظيمات النسوية ليست مجرد منظمات احتجاجية. بل فضاءات سيادية بديلة لصنع القرار الجماعي، وأدوات لحماية النساء من عنف الدولة والدين المحرّف. وهما يسعيان بالمقاومات النسائية عبر التاريخ، إلى إنشاء “المرأة الواعية” التي تستعيد حقها في تعريف ذاتها ومجتمعها.
في مواجهة الآلة القمعية في إيران وأفغانستان وسوريا، حيث تُستخدم النساء أدوات للضبط الاجتماعي وتُهدر كرامتهن باسم الدين، تظهر هذه الكونفدراليات بقيادة هذه التنظيمات كخيار وحيد جذري. إنها لا تدافع عن المرأة فحسب، بل تدافع عن إنسانية المجتمع بأكمله. فهي تعيد بناء المجتمع من كيان خاضع إلى كيان حرّ، والسيادة من احتكار الدولة إلى ممارسة الجماعية.
ما تواجهه النساء اليوم في العديد من مجتمعاتنا ليس مجرد تهميش، بل هو محاولة ممنهجة لطمس الوجود ومصادرة الحق في حياة كريمة. وفي مواجهة هذا المصادرة، تثبت الحركات النسوية الديمقراطية الكونفدرالية، وعلى رأسها التجربة القيادية لمجلس المرأة السورية ومؤتمر ستار، أنّها ليست مجرد خيار، بل هي الحل الوحيد القادر على توحيد الصف النسوي بالعالم.
هذه الحركات تقدم إجابة على السؤال الجوهري: كيف يمكن للمرأة أن تتحرر دون أن تكون صورةً ذكوريةً أخرى؟ وكيف يمكن بناء مجتمع حر حقاً؟ الإجابة تكمن في رؤيتها التي تعدُّ التحرر النسوي والتحرر المجتمعي وجهين لعملة واحدة. إنّها لا تناضل من أجل الاعتراف بالمرأة كـ “جنس” مضطهد فحسب، بل كوجود وكهوية مستقلة لها حقها في تعريف ذاتها، وإرادتها، ومصيرها، وهذا بالضبط ما يعمل من أجله مجلس المرأة السورية ومؤتمر ستار على الأرض.
لذلك، فإنّ هذه الحركات هي الأكثر جذريةً وقدرةً على توحيد النساء، لأنّها تمتلك علم المرأة (الجنولوجيا) ولأنها تعترف بالخصوصيات الثقافية والتاريخية لكل مجتمع، ولا تفرض نموذجاً واحداً، كما يظهر في عمل التنظيمات النسوية في إقليم شمال وشرق سوريا الذي يجسّد تنوع المجتمع السوري. ولقد قدمت بديلاً ملموساً على الأرض (تجربة شمال وشرق سوريا) يثبت إمكانية بناء نموذج مجتمعي بديل تحت قيادتهما التنظيمية والفكرية، لأنّها تضع نضال المرأة في قلب المعركة ضد جميع أشكال السلطة – السلطة الذكورية، والدولة القومية، والرأسمالية، والاستعمار، مستلهمة من فكر القائد عبد الله أوجلان في بناء مجتمع حر يعتمد في أساسه على حرية المرأة.
التحرر يبدأ حقاً حين تُنظّم النساء أنفسهن، لا ليطلبن الحقوق، بل ليُعدن تعريفها من الأساس. وحين يُعاد بناء المجتمع من الأساس، بقرار وإرادة النساء من خلال أمثال هذه المجالس والأحزاب الطليعية، يصبح الدين أخلاقاً، والديمقراطية ممارسة يومية، والمرأة أخيراً – سيادةً لا وصاية، وجوداً لا أداة، وهويةً لا ظلاً. وهي التي تعمل لأجل بناء تلك المرأة، التي عبر القائد عبد الله أوجلان عنها بأن تتحاور معه في المواضيع السياسية والاجتماعية والفلسفية.
من هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى توحيد الصف النسوي ليست خياراً تكتيكياً فحسب، بل هي ضرورة وجودية. إنّ قوتنا الحقيقية تكمن في قدرتنا على تجاوز هوياتنا الفرعية والاختلافات الثانوية، والالتفاف حول الهدف الجوهري الأكبر: تحرر المرأة والنضال في مواجهة هياكل القمع مهما اختلفت أشكالها.
فليكن نداؤنا واضحاً: لا معنى للانتصار لفئة دون أخرى. المعركة واحدة والمصير مشترك. فلنوحد قوانا، ليس لأننا متشابهات، بل لأن التحديات جسام ولا يمكن مواجهتها إلا بجبهة واسعة موحدة. وحدنا نصنع التغيير.