No Result
View All Result
روناهي/ الرقة ـ بينما تشتد حرارة الصيف وتلوح الشمس فوق بيوت الرقة، هناك من يختار العودة إلى دفء الشتاء بوسيلة خاصة جداً طبق من الجيكة، الأكلة الشعبية التي لا تعرف الفصول، فمن يذوقها مرة، لن ينتظر برد كانون ليعيد التجربة.
تبدأ الجيكة من البرغل الناعم، أساس المذاق الشعبي، يلتقي مع دبس الفليفلة الحمراء، الذي يعطيها اللون والروح، ودبس البندورة الذي يضيف عمق ونكهة غنية، ومن ثم يضاف البقدونس الطازج الذي يبعث الانتعاش، ورشة بهارات تجعل الطعم متماسكاً وقوياً.
في قدر صغير، يُقمَّر البصل بزيت الزيتون حتى يأخذ اللون الذهبي، فيفوح العطر في البيت إعلاناً باحتفال صغير، ثم يُسكب فوق البرغل ليضيف لمسة لا يمكن الاستغناء عنهاـ يُعجن الخليط باليدين بحبّ وصبر حتى يتماسك، ثم يُكوّر على شكل بيضوي متناسق، وبعدها يُرتَّب في طبق التقديم، حيث يمكن إضافة الرمان الطازج أو دبس الرمان لمسة حامضة ـ حلوة تزيد اللقمة جمالاً.
وفي السياق، تحدثت “وضحى هند العيسى” من أهالي مدينة الرقة في تصريح خاص لصحيفتنا “روناهي” عن علاقة أكلة الجيكة بحنين عميق: “الجيكة مو بس أكل شتوي… نحن نعملها بالصيف لأن طعمها يجمع العيلة مهما كان الجو حاراً”.
ولفتت وضحى: “فأول ما تفوح ريحة البصل بزيت الزيتون، حتى الجيران يعرفوا إنو اليوم في جيكة”.
وأكدت: “العجن باليد هو سر النكهة… لو ألف ماكينة تعجن، ما تعطيك نفس طعمة الدفء اللي تعطيه إيدين الستّات”.
وأشارت وضحى: “أنا دائماً أحب أحط الرمان فوقها، حتى بالصيف، لأن طعم الحموضة يكسر حرارة الجو”.
فتخيل نفسك في مطبخ ريفي في حي المشلب “البرغل الناعم يُخلط بالدبس الأحمر والبندورة والبقدونس، الزيتون يلمع في المقلاة والبصل يقفز فيها حتى يلون بلون الشمس، الأيدي تعجن الخليط برفق لكن بإصرار، التكوير على شكل بيضوي يعطي الطبق هيبته الخاصة، والرمان يُنثر فوقه كاللؤلؤ الأحمر”.
فالمشهد كله يبعث على الشهية حتى لو كانت درجة الحرارة خارج البيت 40 مئوية!
الجيكة بين الشتاء والصيف
وقديماً كانت الجيكة طبقاً شتوياً بامتياز، فهي مشبعة ودافئة، تُحضَّر في الأيام الباردة مع جلسات المدفأة، لكن اليوم تغيّر الحال، حيث تُقدَّم في المناسبات والزيارات، ويستمتع بها الصغار والكبار في كل وقت.
والناس في الرقة لا ينتظرون كانون لتذوق نكهة البيت، الجيكة تُحضَّر حتى في عزّ الصيف، ليس لأنها تُبرد الجسد، بل لأنها تُنعش القلب، وفي حي المشلب والأحياء القديمة من الرقة، لا يخلو بيت من ذكرى هذه الأكلة، في كل جمعة أو مناسبة، يجتمع الأهل، وتبدأ المنافسة بين النساء “من تعجن أفضل؟ من تضيف بهاراتها الخاصة؟ ومن يكور الجيكة بأجمل شكل بيضوي؟”.
وإذا أضيفت إليها اللحمة النيئة المدقوقة في بعض البيوت، يصبح الطعم أغنى وأثقل، كأنه وليمة صغيرة.
ولا تعد الجيكة أكلة شعبية، بل ذاكرة الرقة، فكل لقمة تحمل عبق الماضي، صوت الأمهات في المطبخ، وضحكات الصغار حول الطاولة، هي طبق يُعرّفك بالبيت قبل أن تتعرف على أهله، ويمثل كرم المدينة ودفء ناسها.
ومهما كان الفصل شتاءً أو صيفاً يبقى طعم الجيكة دعوة مفتوحة للعودة إلى الجذور، وللاحتفال باللمة العائلية التي لا يعرفها التقويم.
No Result
View All Result