No Result
View All Result
أكرم بركات (صحفي)
في قلب مقاطعة الجزيرة بإقليم شمال وشرق سوريا؛ يتموضع مخيم الهول كقنبلةٍ موقوتة، لا تهدد أمن المنطقة فحسب، بل تستهدف استقرار العالم بأسره. ليس مجرد تجمع سكاني، بل فضاءٌ مفتوحٌ لإعادة إنتاج الفكر الداعشي، وتجنيد خلايا جديدة، وتغذية الإرهاب العابر للحدود. إنه ساحة اشتباك مستمر بين قوى الأمن، ومرتزقة داعش، والتدخلات الإقليمية التي تسعى لتقويض أي جهد نحو الاستقرار.
يأوي المخيم نحو 26,539 شخصاً، منهم 6,352 من جنسيات أجنبية و4,933 عراقياً و15,245 سورياً و9 أشخاص مجهولي النسب، هذه التركيبة ليست مجرد إحصاء، بل بنية ديمغرافية شديدة التعقيد، تُستخدم كغطاءٍ لتغذية التطرف، وتدوير العنف، وتجنيد النساء والأطفال في مشاريع مرتزقة داعش.
في عام 2021 وحده، وقُبيل إطلاق عملية “الإنسانية والأمن”، شهِد المخيم أكثر من 47 عملية إعدام نفذتها خلايا داعش بحق من خالف تعليماتهم. سلطة موازية داخل المخيم، تفرض قوانينها بالدم، وتُعيد إنتاج الرعب في وضحِ النهار.
المرحلة الأولى (28 آذار ـ 2 نيسان 2021)
بمشاركة أكثر من 5,000 عضو من قوى الأمن الداخلي وقوات سوريا الديمقراطية، أُطلقت أولى مراحل العملية لتفكيك الخلايا النائمة، تم اعتقال 125 عنصرًا من داعش، بينهم 20 متزعمًا، والعثور على دارات إلكترونية ومستلزمات عسكرية تُستخدم في تصنيع العبوات الناسفة، كانت هذه المرحلة بمثابة كسر أول لحلقة التطرف داخل المخيم.
المرحلة الثانية (25 آب ـ 18 أيلول 2022)
ردًا على تصاعد العنف، حيث نفذت خلايا داعش 43 عملية قتل راح ضحيتها 44 شخصًا، بينهم 14 امرأة وطفلان، إلى جانب 13 محاولة خطف، وحالات حرق للخيم وتخريب للمؤسسات الطبية والخدمية. أطلقت قوى الأمن الداخلي المرحلة الثانية، وتم اعتقال 226 شخصًا، بينهم 36 امرأة، واكتُشف 25 خندقًا ونفقًا، وكميات كبيرة من الأسلحة. التحقيقات كشفت تورّط موظفين في منظمة “بهار” في تهريب الأسلحة والأموال، ما يفضح اختراق المنظمات الإنسانية من قبل المرتزقة.
المرحلة الثالثة (27 كانون الثاني 2024)
أما المرحلة الثالثة، استهدفت تحييد نشاط خلايا داعش المتجددة، وأسفرت عن اعتقال 85 مرتزقة، وتدمير مخابئ وأنفاق، والعثور على كمية كبيرة من الذخيرة. كانت هذه المرحلة بمثابة إعادة ضبط أمني للمخيم، بعد محاولات المرتزقة لاستعادة نفوذهم.
المرحلة الرابعة (5 أيلول 2025)
جاءت المرحلة الرابعة نتيجة لتصاعد التهديدات، بعد تنفيذ خلايا داعش 30 هجومًا ضد العاملين في المجال الإنساني. وتركز الحملة على تفكيك شبكات خلايا مرتزقة داعش، حماية المنظمات، ومنع تجنيد الأطفال في ما يُعرف بـ”أشبال الخلافة”، عبر برامج توعية ودعم نفسي واجتماعي.
تركيا وداعش
لعبت تركيا دوراً بارزاً في إعادة نشاط مرتزقة داعش، فلم تكن الهجمات التركية مجرد عمليات عسكرية، بل استهدفت رموزًا قيادية في مكافحة الإرهاب، ففي 22 تموز 2022، استُشهدت القيادية جيان تولهلدان، قائدة المرحلة الأولى من عملية “الإنسانية والأمن”، مع اثنتين من رفيقاتها، إثر استهداف سيارتهن بطائرة مسيّرة تركية، وفي 28 أيلول 2022، استُشهدت زينب محمد ويلماز شرو، أثناء جولة تفقدية لسجون داعش، هذه الاستهدافات لم تهدف لزعزعة فقط الأمن، بل ضربت قلب القيادة التي واجهت المرتزقة في أخطر مراحله. تحوّل مخيم الهول إلى مختبر أيديولوجي لإعادة إنتاج الفكر الداعشي، ومنصة تجنيد تستهدف النساء والأطفال، وساحة اشتباك دولي، ورغم الجهود الأمنية المتكررة، فإن غياب الحلول الجذرية ـ مثل إعادة العائلات إلى بلدانهم، وتفكيك البنية الفكرية للمرتزقة – يجعل من كل حملة أمنية مجرد تأجيل لانفجار محتمل.
أمن الهول من أمن العالم
إن تأمين مخيم الهول لم يعد مسؤولية محلية تقع على عاتق جهة واحدة، بل ضرورة دولية ملحّة تتطلب استجابة متعددة الأطراف. فكل خلية نائمة تُزرع في الظل، وكل طفل يُستغل في برامج “أشبال الخلافة”، وكل امرأة تُدرّب على الفكر المتطرف، تمثل تهديدًا حقيقيًا يتجاوز حدود سوريا، ويطال أمن المجتمعات في أوروبا وآسيا وأفريقيا على حدٍ سواء.
القضاء على إرث داعش داخل الهول ليس مجرد مهمة أمنية، بل خطوةً استراتيجية نحو عالم أكثر أمانًا، وسوريّا أكثر استقرارًا، وإنقاذ المخيم من براثن التطرف هو إنقاذ للإنسانية من شرٍّ لا يعترف بالجغرافيا ولا بالحدود، فالهول اليوم هو مرآة لفشل السياسات الدولية في معالجة جذور التطرف، ومقياس لمدى التزام العالم بمسؤولياته الأخلاقية تجاه ضحايا الإرهاب، وتجاه مستقبل الأطفال الذين يُتركون فريسة لأيديولوجيات الموت.
No Result
View All Result