No Result
View All Result
محمد خلف
كيف تواجه المجتمعات الحروب التقليدية والخاصة..؟
الحرب ظاهرة قديمة وراسخة في التاريخ البشري ارتبطت بظهور الدولة فقد كانت الوسيلة الاساسية لتحقيق السيطرة والمصالح وتجلت منذ العصور القديمة في حروب الممالك والامبراطوريات مثل السومريين والمصريين واليونان والرومان وفي العصور الوسطى اخذت اشكالا جديدة كالحروب الدينية والمذهبية مثل الحملات الصليبية اضافة إلى الحروب الاقطاعية التي شهدتها اوروبا والصراعات بين الممالك الاسلامية ومع بداية العصر الحديث انتقلت الحروب إلى مستوى عالمي خاصة مع توسع الاستعمار الأوروبي وحروب السيطرة على البحار والمستعمرات أما في القرن العشرين فقد بلغت الحرب ذروتها في الحربين العالميتين وما تبعهما من حروب اهلية وحروب التحرر الوطني وفي الوقت الحاضر لم تعد الحروب تقتصر على الجيوش الميدانية فقط بل دخلت التكنولوجيا والاعلام والاقتصاد كجزء أساسي من أدوات الصراع.
وإلى جانب الحرب التقليدية ظهر نوع اخر اكثر خفاء وتعقيدا هو الحرب الخاصة هذا النوع لا يقوم على المواجهة العسكرية المباشرة بل يعتمد على وسائل غير تقليدية تهدف إلى اضعاف الخصم والسيطرة عليه بطرق خفية من ابرز ادواتها الحرب النفسية التي تستهدف كسر المعنويات عبر نشر الخوف والاشاعات والحرب الاعلامية التي تقوم على الدعاية والتضليل والسيطرة على المعلومات اضافة إلى الحرب الاقتصادية التي تفرض من خلال العقوبات والحصار والتجويع والحرب الاستخباراتية التي تقوم على التجسس والاختراق والاغتيالات وكذلك الحرب بالوكالة التي تدار عبر جماعات او ميليشيات مدعومة من الخارج.
واخيرا الحرب السيبرانية التي تستهدف الانظمة الالكترونية للدول والمؤسسات وقد تجلى هذا النوع من الحروب بشكل واضح في القرن العشرين خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كما يستخدم اليوم في صراعات الشرق الأوسط عبر الاعلام الموجه والضغوط الاقتصادية والسياسية ويمكن ملاحظة أن استخدام الحرب الخاصة غالبا يحدث عندما يصل طرف ما إلى عدم قدرته على خوض الحرب التقليدية فالحرب التقليدية مكلفة جدا وتتطلب جيوشا ضخمة وموارد كبيرة واذا حاول الطرف الضعيف مواجهتها مباشرة فمن المرجح ان تنهار قواته ويخسر بسرعة لهذا يلجأ هذا الطرف إلى الحرب الخاصة، لأنها اقل تكلفة وغير معلنة وتتيح له تحقيق اهدافه عبر وسائل خفية مثل الدعاية التجسس الضغط الاقتصادي أو دعم الجماعات المحلية دون مواجهة الخطر المباشر والخسائر الكبيرة التي تصاحب الحرب التقليدية.
نستنتج هنا بأن الطرف الذي يستخدم الحرب الخاصة هو الطرف الأضعف ولكي يوازن مع الطرف الأقوى يستخدم هذا النوع من الحروب و يستهدف المجتمع بشكل مباشر.
وعند المقارنة بين الحرب التقليدية والحرب الخاصة يظهر اختلاف جوهري في طبيعتها واهدافها وادواتها فالحرب التقليدية تعتمد على المواجهة العسكرية المباشرة بين جيوش نظامية وتكون نتائجها واضحة وسريعة مثل احتلال الاراضي او هزيمة العدو في ساحة المعركة اما الحرب الخاصة فهي غير مباشرة وغالبا ما تجري في الخفاء اذ تستهدف العقول والوعي والاقتصاد والمجتمع اكثر من استهدافها للجيوش، والغاية من الحرب التقليدية هي الانتصار العسكري وتحقيق مكاسب مادية او سياسية ملموسة بينما الغاية من الحرب الخاصة هي كسر ارادة الخصم من الداخل وجعله عاجزا عن المقاومة كذلك تختلف الادوات المستخدمة ففي الحرب التقليدية تستخدم الاسلحة الثقيلة والخطط القتالية بينما في الحرب الخاصة تستخدم وسائل مثل الاعلام الاقتصاد العملاء التكنولوجيا وحتى الفضاء الالكتروني كما ان نتائج الحرب التقليدية تكون سريعة ومرئية بينما نتائج الحرب الخاصة تظهر تدريجيا وببطء حتى انهاك المجتمع على المدى الطويل.
وإن ما وصلت اليه سوريا من دمار وفوضى ليس صدفة بل نتيجة تراكم عوامل داخلية وخارجية داخليا عانت البلاد من الاستبداد ضعف المؤسسات الفساد والاحتقان الاجتماعي وخارجيا تدخلت قوى اقليمية ودولية دعمت اطرافا مختلفة بالمال والسلاح والإعلام ما زاد الانقسام واطال امد الصراع وما يزيد الأمور تعقيدا انه بعد سقوط النظام البعثي لم يكن هذا السقوط نتيجة ثورة حقيقية بل متدرجا،، والذين جلسوا على كرسي السقوط تم تغير المسميات فقط مما دفع التغيير نحو الاسوأ وزاد هشاشة المجتمع امام الحروب الخاصة واشكال التفكيك المختلفة.
وأمام هذا المشهد يبرز سؤال جوهري؟
ما هو الحل؟
من الواضح أن الحل لا يمكن ان يكون عبر التوعية السطحية فقط لأن التوعية تحتاج إلى ذهنية مجتمعية جديدة اذا بقيت الذهنية الفردية او الطائفية او الاستهلاكية هي السائدة؛ فلن ينجح أي مشروع لبناء مجتمع واع قادر على مواجهة التحديات لذلك فإن الحل يتطلب تأسيس مجتمع كومونالي أي مجتمع يقوم على المشاركة والتعاون والعدالة الاجتماعية في هذا النموذج تكون الإدارة جماعية وليست مركزية ويقوم الاقتصاد على التعاون لا على الاستغلال وتبنى التربية على قيم الحرية والمساواة بدلا من الانقسام والتلقين كما يتحمل المجتمع نفسه مسؤولية حمايته وتماسكه فلا يكون رهينة للأنظمة القمعية أو القوى الخارجية.
وإن أصعب ثورة يمكن أن يمر بها اي مجتمع هي الثورة الذهنية لأنها لا تتعلق فقط بتغيير أنظمة سياسية أو اقتصادية بل تتعلق بتغيير طريقة التفكير نفسها فالذهنية الفردية تقوم على المصلحة الشخصية الضيقة، حيث يرى الفرد نفسه مركز العالم ويتخذ قراراته وفق ما يخدم منفعة خاصة دون النظر إلى أثر ذلك على الآخرين بينما الذهنية المجتمعية تقوم على التفكير بالمصلحة المشتركة والوعي بان الفرد جزء من الكل؛ حين تسود الذهنية المجتمعية يصبح التعاون والتضامن والقيم المشتركة جزءا من حياة الناس اليومية ما يعزز قدرة المجتمع على مواجهة الحروب الخاصة والتدخلات الخارجية.
لا يمكن أن تنجح الثورة الذهنية الا اذا ارتبطت بممارسة ادارات ذاتية من القاعدة المجتمعية فالأفراد لا يغيرون تفكيرهم نظريا فقط بل يحتاجون إلى ممارسة عملية لإدارة شؤونهم واتخاذ القرارات بشكل جماعي وهو ما يربط الذهنية المجتمعية بالإدارة الذاتية بشكل عضوي ممارسة الكومونالية اي بناء مجموعات تعاونية تعتمد على المشاركة والعدالة والمسؤولية المشتركة هي الوسيلة العملية التي تجعل الذهنية المجتمعية حقيقة على الارض فالذهنية لا تتشكل بمجرد التحدث عن القيم بل تتشكل من خلال الممارسة اليومية المشاركة في اتخاذ القرارات حل المشكلات الجماعية التعاون في الانتاج والتوزيع وتحمل المسؤولية تجاه المجتمع.
باختصار الثورة الذهنية والادارة الذاتية الكومونالية مترابطتان ارتباطا عضويا فلا يمكن أن تتحقق الذهنية المجتمعية دون ممارسة الكومونالية على أرض الواقع ولا يمكن أن تنجح الإدارة الذاتية الا اذا نشأت من قاعدة واعية ملتزمة بالقيم المشتركة وهكذا يصبح بناء مجتمع متماسك واع قادر على مقاومة الحروب التقليدية والحروب الخاصة وإعادة بناء الدولة والمجتمع من الداخل هدفا واقعيا يعتمد على التغيير الذهني والممارسة العملية المشتركة لا على الشعارات النظرية فقط.
No Result
View All Result