No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
أيّ عملية سلامٍ بين طرفي نزاع، تحتاج سلسلة من الحوارات وجولات عديدة من المفاوضات؛ لكي تُفضي بالنهاية إلى حلّ هذا النزاع سلميّاً. وبالتأكيد الشرط الرئيس في إجراء مثل هذه اللقاءات والحوارات للوصول إلى الحلّ السلميّ يكمن في توفر النية الصادقة لدى الطرفين من أجل إنهاء النزاع أو الصراع، الذي قد يكون مستمراً لفترة طويلة. الأمثلة كثيرة في هذا المجال. هناك المسألة الإيرلنديّة التي انتهت بالتفاوض بين الجيش الجمهوريّ الإيرلنديّ IRA والحكومة البريطانيّة وعقد اتفاقية السلام العظيم عام 1998. كذلك الأمر في كولومبيا، التي أنهت عقوداً من الصراع بين القوات المسلحة الثوريّة FARK والحكومة الكولومبيّة من خلال اتفاقية عام 2016. ولعل المثال الأبرز عالميّاً كان قضية التمييز العنصريّ في جنوب إفريقيا وقائد حركتها نيلسون مانديلا، الذي بقي 27 عاماً في السجون والمعتقلات إلى أن انتهى به المطاف في القصر الرئاسيّ في جوهانسبورغ عاصمة جنوب إفريقيا.
سوف نتحدث في هذا المقال عن القضية الكرديّة من خلال النداء التاريخيّ للسلام الذي أطلقه القائد والمفكر الكبير عبد الله أوجلان، وكيفية تقرّب حكومة العدالة والتنمية من هذا المسار التاريخيّ من أجل تحقيق السلام.
نداء القائد أوجلان للسلام والديمقراطيّة
ظهر نداء القائد أوجلان للسلام والتحول الديمقراطيّ كورقةٍ خلاص لشعوب المنطقة من الحروبِ والاقتتالِ والدمار، ووضع نهاية لقرن من الصراعاتِ والحروب خاصة بين الكرد والأتراك. وهذا النداء التاريخيّ، الذي أطلقه القائد عبر رسالة فيديو مصورة مدتها سبع دقائق، تُنشر لأول مرة منذ اختطافه إثر المؤامرة الكونيّة في 15 شباط 1999 وقد أكّد على مدى أهمية الانتقال من مرحلة الحرب والعنف إلى مرحلة جديدة، أطلق عليها القائد اسم “مرحلة السلام والمجتمع الديمقراطيّ” داعياً فيها إلى إنهاء الكفاح المسلح والانتقال إلى مرحلة الكفاح السياسيّ.
مبادرتا القائد أوجلان لاقتا ترحيباً إقليميّاً ودوليّاً على مختلف الصعد، وأضحت بارقة أمل للشعوب التوّاقة للسلام، والتي تعاني من العنف والتهميش والإقصاء من جانب حكوماتها القمعيّة. ومبادرة القائد الأخيرة ذات أهميّة عظيمة ليس فقط لنضال الشعب الكرديّ وحده، بل لنضال الشعب التركيّ أيضاً وبقية شعوب المنطقة (العرب، الفرس، السريان، الأرمن، الآشور، الشركس، وغيرهم).
لم يتخلَّ القائد عن النضال والمقاومة من أجل حقوق الشعوب، بل غيّر أسلوب النضال حسب الظروف والمعطيات التي تغيّرت في المنطقة والعالم. هذا النوع من النضال السياسيّ سوف يُجنّب المنطقة المزيد من الدماء والدموع، ويؤسس لبناء علاقات بنّاءة أخويّة مع الشعب التركيّ للعيش بسلام وضمن مجتمع ديمقراطيّ.
الترحيب والتصريحات الإيجابيّة جيدة لكنها لا تكفي
كان واضحاً الترحيب الإيجابيّ من جانب الحكومة التركيّة بهذا النداء التاريخيّ وبالخطوات التالية والملموسة على أرض الواقع، التي أقدمت عليها حركة حرية كردستان بناءً على نداء القائد بدءاً من وقف إطلاق النار مروراً بعقد المؤتمر الأخير لحزب العمال الكردستانيّ والإعلان عن إنهاء مرحلة الكفاح المسلح وصولاً إلى تشكيل مجموعة السلام والديمقراطيّة، والتي قامت بإحراق أسلحتها أمام شاشات التلفزة المحليّة والعالميّة، لكن هذه التصريحات الإيجابيّة من جانب الحكومة التركيّة تجاه هذه الخطوات، ليست كافية.
يجب على السلطات التركيّة أن تُبادر هي الأخرى إلى القيام ببعض الخطوات الإيجابيّة على أرض الواقع؛ كي تُثبت بأنّها منخرطة بشكل فعليّ في العملية السياسيّة وليست مسألة مراوغة من أجل الخروج من المأزق، الذي تعيشه في ظل الظروف والتطورات التي جرت في المنطقة وأحدثت الكثير من التغيير في موازين القوى ميدانيّاً. وإلا سوف تبقى في إطار مجرد الوعود، ولن تحظى بثقة الطرف المقابل ولا حتى الشعب التركيّ نفسه.
تشكيل اللجنة البرلمانيّة خطوة إيجابيّة
كان لتشكيل اللجنة البرلمانيّة المكلفة بمتابعة مسار الحل السياسيّ من معظم القوى والأحزاب الكرديّة، والتركيّة في البرلمان التركيّ، وتسميتها “لجنة التضامن الوطنيّ والأخوة والديمقراطيّة” ومن ثم عقدها اجتماعها الأول، كان لها صدى إيجابيٌّ في الأوساط السياسيّة والشعبية بشكل عام، لما تنتظره هذه الأوساط الداعية إلى السلام والديمقراطيّة من هذه اللجنة. ولكن؛ أن تبقى هذه اللجنة أسيرةَ مسألة نزع سلاح حزب العمال الكردستانيّ دون التحول إلى اتخاذ مواقف تناسب واجباتها ومسؤولياتها التاريخيّة، يُخيّب آمال الجماهير التي تنتظر خطوات إيجابيّة من جانب اللجنة التي تمثل نحو 98% من الأحزاب والقوى السياسيّة على الساحة.
يجب على اللجنة ألا تخضع لضغوط سياسيّة خاصة من جانب الحزب الحاكم الذي يسعى إلى تسيير اللجنة لخدمة أهدافه الانتخابية ومصالحه الخاصة. بالمقابل نرى العديد من مسؤولي الحركة السياسيّة الكرديّة يتحدثون عن مسار هذه العملية، ولكن إذا تعاملت الدولة بجدّيّةٍ وتناولت المسألة في إطار التحول الديمقراطيّ، وعلى هذا الأساس تتصرف، بينما نحن نتعامل مع هذه العملية السياسيّة باستراتيجيّة واضحة دون لبس أو غموض. حتى الآن عقدت اللجنة أربعة اجتماعات ناقشت فقط مسألة نزع السلاح.
مشاركة الفئات من ضروريات نجاح العملية السياسيّة
بالتأكيد؛ فإنّ مشاركة فئات الشعب، مهم جداً لنجاح هذه العملية السياسيّة. فقط القول إنّ هذه العملية السياسيّة يجب أن تُعمم على فئات وشرائح المجتمع لا يكفي، بل لا بد من القيام بتطبيق هذا الكلام على أرض الواقع من خلال إشراك الجميع، وفي هذه الحالة سيكون نجاح العملية حتميّاً لأنها تحظى بدعم ومساندة أوسع شرائح وفئات المجتمع خاصة تلك المتضررة من استمرار الحروب والدمار.
القضية ليست سهلة، عمرها أكثر من قرن من الزمن. وهذه العملية السياسيّة تهدف إلى إنهاء حالة الحرب التي استمرت على مدى قرن من الزمن مخلفة الكثير من الدموع، والآلام والمآسي، وكان لها تأثير كبير على المجتمع بأسره رغم أنّ التأثير الأكثر قسوة وشدّة كان على الكرد بالدرجة الأولى، ولكن هذا لا يعني أنّ المجتمع لم يتأثر، وإن كان بدرجات متفاوتة. لذا؛ الكلّ يجب أن يشارك لأنّ عملية السلام الجارية تهدف إلى معالجة هذه التداعيات وإنهائها. فالسلام يعني إنهاء الحرب وبناء مجتمع ديمقراطيّ حقيقيّ تسود فيه روح الأخوة والتضامن والمشاركة من الأطراف مهمة وضروريّة أيضاً؛ لنجاح هذه العملية السياسيّة من أجل السلام والديمقراطيّة.
تعنت العدالة والتنمية يقوض عملية السلام
استمرار حزب العدالة والتنمية في ممارسةِ سياساته المناهضة للكرد والرافضة لتقديم أيّ خطوة عمليّة للسير قُدماً في عملية السلام باستثناء ما ذكرناه سابقاً حول تشكيل اللجنة البرلمانيّة، هذه السياسة تدفع بشكل كبير باتجاه تقويض عملية السلام وإجهاضها. فمنذ إطلاق القائد نداءه وإلى الآن، لم نجد أيّ بادرةٍ أو خطوةٍ من جانب سلطات العدالة والتنمية تجاه الكرد في باكور كردستان، بل تستمر في عدائها للكرد ليس فقط في باكور كردستان وتركيا فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى العراق وسوريا أيضاً.
الجميع يعلم أنّ هناك جهوداً دوليّة من أجل حلّ الأزمة السوريّة بعيداً عن الحرب والاقتتال، ووفق هذه الرؤية، وبموافقة من تركيا، تم توقيع اتفاقية العاشر من آذار بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطيّة الجنرال مظلوم عبدي ورئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، لكن تركيا تريد أن يتم تطبيق الاتفاقية وفق رؤيتها، وخاصة فيما يتصل بمسألة الدمج سواء لمؤسسات الإدارة الذاتيّة أو لقوات سوريا الديمقراطيّة، وهي ترى بأنّ الدمج يعني حلّ هذه الإدارة والقوات وانضمامها إلى الدولةِ السوريّة، وهذا غير صحيح على الإطلاق. لذا؛ نراها تُعرقل الجهود الدوليّة من أجل سير المفاوضات بين الطرفين، وكان لوزير خارجيتها هاكان فيدان الدور الرئيس في عدم مشاركة السلطات السوريّة في لقاء باريس خشية من تدويل القضية الكرديّة، وبالتالي خروجها من تحت سيطرة تركيا.
الحرية الجسديّة للقائد عبد الله أوجلان البوابة الرئيسيّة للحلّ
ما يزال القائد عبد الله أوجلان في معتقل جزيرة إيمرالي أسيراً، وما تزال العقوبات الانضباطيّة وسياسة الإبادة والتعذيب وحجز الحرية مفروضة عليه، لهذا لن تكون هناك إمكانيّة لتحقيق أيّ نجاح في مسار العملية السياسيّة، التي من المفترض أن تسير في باكور كردستان وتركيا. القائد هو المفاوض الرئيسيّ في عملية السلام والديمقراطيّة، وهو صاحب المبادرة والنداء التاريخيّ من أجل وضع حدٍّ للدماء، التي سالت منذ نصف قرن من الزمن، والقضية الرئيسيّة، التي ما تزال مستعصية على الحلّ ليس فقط في تركيا، بل كذلك في إيران والعراق وسوريا، وهي القضية الكرديّة.
إنّ المسار الرئيسيّ للحلّ يمرُّ ببوابة إيمراليّ التي يجب أن تُفتح أبوابها على مصراعيها بشكل كامل. ولا بد من الحرية الكاملة للقائد عبد الله أوجلان؛ كي يقوم بنفسه بقيادة العملية السياسيّة. والكثير من النساء، والشبيبة، ورجال العلم والثقافة، والساسة، والفنانين والصحفيين من مختلف بقاع العالم يتوجهون بطلبات لرؤية القائد وتبادل الآراء معه والاستماع إلى نقاشاته، القضية لم تعد محصورة في تركيا وحدها، فالملايين حول العالم يرون في فكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان الركيزة الأساسيّة للديمقراطيّة والحرية الحقيقيّة. حان وقت الحرية اليوم أكثر من أي يوم مضى، ولا بد أن تتحقق حرية القائد الجسديّة وهذه أصبحت حقيقة واضحة وضوح الشمس.
No Result
View All Result