No Result
View All Result
لورنس الشعير
من يقرأ تاريخ سوريا بعد الاستقلال، يكاد يجزم أن هذه البلاد لم تُتح لها يومًا فرصة أن يحكمها شعبها بنفسه، فمنذ خروج المستعمر الفرنسي عام 1946، تحوّل الجيش إلى الحاكم الفعلي، فيما تناوبت الانقلابات العسكرية كأنها فصول مسرحية لا تنتهي.
في الستينيات والسبعينيات، تصدّر المشهد ضباط مثل محمد عمران، صلاح جديد، سليم حاطوم، ثم برز اسم حافظ الأسد الذي حوّل سوريا لاحقًا إلى ملكية شخصية يتوارثها أبناؤه. أما اليوم، ونحن في عام 2025، فالسؤال الذي يفرض نفسه: هل تغيّر شيء حقًا؟ أم إننا ما زلنا ندور في الحلقة نفسها، حيث السلطة “حديقة خاصة” يتوارثها من يملك القوة لا من يملك الشرعية؟
الانقلابات.. بداية الضياع
بعد فشل الوحدة السورية ـ المصرية عام 1961، حاول الرئيس ناظم القدسي ورئيس الوزراء خالد العظم إعادة الحياة المدنية، لكن الجيش لم يسمح لهم بذلك، ففي 8 آذار 1963، أطاحت “اللجنة العسكرية البعثية” بالنظام. كان على رأسها محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد. منذ تلك اللحظة، لم يعد القرار السياسي يُتخذ في البرلمان أو مجلس الوزراء، بل في ثكنات الجيش وغرف الضباط.
محمد عمران، الضابط العلوي وأحد مؤسسي اللجنة العسكرية، أقصي مبكرًا ونُفي إلى لبنان قبل أن يُقتل هناك بظروف غامضة.
سليم حاطوم، الضابط الدرزي، قاد بنفسه اعتقال القدسي والعظم أثناء الانقلاب، ثم حاول أن ينتزع السلطة لنفسه عام 1966، ففشل وانتهى به المطاف مُعدَمًا بعد عودته من المنفى.
صلاح جديد حكم من وراء الستار، لكنه لم يصمد أمام رفيقه في اللجنة، وزير الدفاع آنذاك: حافظ الأسد.
صعود الأسد.. من الهزيمة إلى الحكم المطلق
في حرب حزيران 1967، فقدت سوريا هضبة الجولان بلا قتال يُذكر. كانت كارثة قومية، لكنها خدمت طموحات الأسد. استغل الهزيمة ليبني نفوذه داخل الجيش ويقصي خصومه.
وفي تشرين الثاني 1970، نفذ انقلابه المعروف بـ “الحركة التصحيحية”، فأطاح بصلاح جديد والرئيس نور الدين الأتاسي، وزجّهما في السجون حتى وفاتهما. بعدها بعام واحد، جلس على كرسي الرئاسة، ليبدأ فصل جديد من تاريخ سوريا، فصلٌ أُغلقت فيه كل أبواب التغيير.
سوريا تحولت إلى “حديقة خاصة”
منذ وصوله إلى الحكم، أرسى الأسد الأب قواعد جديدة:
المخابرات فوق الجميع، تراقب وتبطش.
الجيش بقبضة الولاء الطائفي والشخصي.
السياسة خالية من المعارضين: إما في السجن، أو في المنفى، أو في القبر.
تحولت الدولة إلى ما يشبه الملكية الخاصة، يتوارثها الأبناء. ومع رحيله عام 2000، انتقلت “الحديقة” إلى ابنه بشار، الذي واصل الحكم بالحديد والنار، حتى انفجر الشعب عام 2011، لتدخل سوريا في مأساة لم تنتهِ حتى الآن.
اليوم: سوريا… مَنْ يحكم الشام؟
بعد سقوط نظام الأسد عام 2024 وصعود سلطة انتقالية جديدة، بقيت البلاد في حالة غموض. لا أحد يعرف يقينًا من أين تستمد السلطة الحالية توجهها، ولا إلى أين تمضي.
المجتمع السوري يتساءل: هل هي ثورة حقيقية تعيد للشعب حقه، أم مجرد تبديل وجوه فوق البنية نفسها التي جعلت سوريا طوال عقود مزرعة لعائلة أو حزب أو نخبة عسكرية؟
اللامركزية: الطريق إلى الحرية
برأيي، إن لم تُبنَ سوريا الجديدة على أساس اللامركزية الحقيقية، فإنها ستبقى أسيرة الاستبداد. اللامركزية تعني أن يحكم كل سوري نفسه بنفسه عبر مجالس محلية منتخبة. تعني توزيع الثروة والسلطة، لا احتكارها في دمشق أو بيد جماعة واحدة. تعني الاعتراف بالتعددية: عرب، كرد، دروز، آشوريون، شركس، مسلمون، مسيحيون… جميعهم شركاء متساوون.
لا مركزية الحكم ليست تفتيتًا للوطن، بل هي الضمان الوحيد لبقائه موحدًا. أما المركزية، فهي التي صنعت من سوريا مزرعة خاصة، مرة باسم البعث، ومرة باسم آل الأسد، وربما اليوم باسم سلطة انتقالية لا يعرف أحد إلى أين تسير.
ختاماً
منذ انقلاب 1963 وحتى اليوم، لم تُحكم سوريا بالعدل ولا بالرحمة. تعاقب الضباط على الكرسي، ثم حوّلها حافظ الأسد إلى إقطاعية عائلية، وورثها لابنه بشار الأسد. وبعد كل الدماء التي نزفت منذ 2011، يقف السوريون الآن أمام خيار تاريخي:
إما أن تبقى سوريا حديقة خاصة لسلطة جديدة، أو تتحول حقًا إلى دولة لامركزية إنسانية، يحكمها شعبها بكل أبنائه، بلا إقصاء ولا استبداد.
الطريق واضح، لكنه يحتاج إلى شجاعة سياسية: أن نعيد الوطن إلى أصحابه الحقيقيين… السوريين.
No Result
View All Result