No Result
View All Result
أيلول رزكار
في المجتمعات التي تُبنى على الحرية، لا يُقاس الإنسان بانتمائه، ولا يُختبر في صوته، بل يُحتضن في اختلافه، ويُصغى إليه في تنوعه، هناك، لا تُفرض الأخلاق من فوق، بل تنبع من الداخل “من وعيٍ جمعي يرى في الآخر امتدادًا للذات”، لا تهديدًا لها.
التناغم الثقافي لا يعني التماثل، بل القدرة على العيش مع التعدد دون خوف، أن يكون للمرأة صوتٌ مختلف، وللرجل ذاكرةٌ مختلفة، وللطفل خيالٌ لا يُقمع، دون أن يُعتبر ذلك خروجًا عن النظام، بل دليلاً على حيوية المجتمع.
أما العدالة، فهي ليست قانونًا يُطبق فقط، بل شعورٌ يُتبادل، وحقٌ يُولد مع كل فرد، والمساواة لا تعني محو الفروق، بل احترامها، والاعتراف بها كجزء من نسيج الحياة.
وفي هذا الفضاء، لا يُطلب من الإنسان أن يبرر وجوده، بل يُسمح له أن يكون، فيُصبح المجتمع كالكائن الحي، يتنفس من خلال أفراده، ويعيش حين يُحتضن الاختلاف، ويُصان الحق، وتُصبح الحرية ليست شعارًا، بل ممارسة يومية.
هذه المقدمة ليست احتفاءً بالمثال، بل دعوة لإعادة بناء الممكن، دعوة لأن نُعيد تعريف الوجود، لا معركة، بل تناغم، لا اختبار، بل حق، لا خوف، بل حياة.
من الطبيعة إلى الإنسان
في عالمٍ تحكمه قوانين الفيزياء والكيمياء، تتشكل الحياة من اتحاد عناصر لا تُحاسب على خصائصها، ولا تُساءل عن جدارتها بالوجود، ذرة الماء لا تُطلب منها شهادة ميلاد، ولا تُفرض عليها شروطٌ أخلاقية أو اجتماعية كي تُعترف بها، الهيدروجين والأوكسجين يلتقيان، في لحظة توازن، فينتج عنهما ما يُحيي الأرض “الماء”.
لكن الإنسان، على خلاف ذلك، لا يُولد في حيّزٍ طبيعي، بل في منظومةٍ اجتماعية تُعيد تعريفه منذ اللحظة الأولى، يُساءل عن هويته، يُراقب في جسده، يُقاس في صوته، ويُختبر في انتمائه، المرأة، على وجه الخصوص، لا تُمنح حق الوجود، بل تُجبر على انتزاعه، في معركة غير معلنة، تتسلل إلى اللغة، إلى القوانين، إلى الذاكرة.
الوجود الطبيعي مقابل الوجود الإنساني
في البدء، لم يكن الإنسان.
كان الكون يتنفس وحده، بلا سؤال، بلا احتجاج.
ذراتٌ تتلاقى، غازاتٌ تتحد، فتتشكل قطرة ماء.
الهيدروجين، القابل للاشتعال، يمد يده للأوكسجين، الذي يغذي النار.
وفي لحظة توازن، لا تُعلن، ولا تُحتفل، يولد الماء.
لا أحد يسأل الذرة: هل تستحق أن تكون؟
ولا أحد يطلب من الغازات إثباتًا لحقها في الاتحاد.
لكن الإنسان، حين تشكل من طينٍ ونار، بدأ يشك.
بدأ يسأل: هل لي حقٌ في أن أكون؟
وهنا، بدأت المعركة.
المرأة.. الوجود كفعل مقاومة
في المجتمعات التي تُبنى على الهيمنة، لا يُمنح الوجود للمرأة، بل يُؤخذ منها، ويُعاد إليها بشروط. جسدها لا يُعامل ككائن طبيعي، بل كرمز يجب ضبطه، مراقبته، وتحديد حدوده. صوتها لا يُسمع إلا إذا وافق على ما هو مسموح، وذاكرتها تُمحى كلما حاولت أن تروي ما لا يُروى.
المرأة لا تدخل العالم كما تدخل الذرة في التفاعل، بل تُجبر على المرور عبر سلسلة من الاختبارات “الطاعة، الصمت، التكيف، وأحيانًا النسيان”، وإذا رفضت، تتحول إلى تهديد، إلى استثناء، إلى “حالة خاصة” يجب احتواؤها أو إقصاؤها.
ولكن في لحظات نادرة، تتحول المرأة إلى فعل مقاومة، لا لأنها تريد أن تكون استثنائية، بل لأنها تريد أن تكون ببساطة، أن توجد كما توجد الذرة “بلا شروط، بلا خوف، بلا مساءلة”، في تلك اللحظات، يصبح وجودها فعلًا سياسيًا، فلسفيًا، شعريًا، يصبح جسدها مساحة للذاكرة، وصوتها أداة لاستعادة الحق، وكتاباتها مرآة للذين مُحوا من التاريخ.
الأنظمة المستبدة.. حين يُصبح الإنسان مادةً للضبط
وفي الأنظمة التي تُدار بالخوف، يُختزل الإنسان إلى أداة طيّعة، يُعاد تشكيله وفق مصالح السلطة، لا يُنظر إليه ككائنٍ حيّ، بل كعنصر يجب ضبطه، مراقبته، وتطويعه. يُجبر على الانحناء، لا حبًا في القانون، بل خوفًا من السجن، من النفي، من المحو.
والاستبداد لا يُعلن نفسه، بل يتسلل إلى تفاصيل الحياة “إلى المناهج، إلى الإعلام، إلى اللغة”، يُعيد تعريف الحرية كخطر، والمطالبة بالحق كجريمة. يُصبح المواطن مشروعًا للعقاب، لا شريكًا في البناء.
أما القوى العالمية، فتُعيد إنتاج هذا القمع على نطاقٍ أوسع، تُقيم تحالفاتها على أساس المصالح، لا على أساس العدالة، تُغضّ الطرف عن الاستبداد إذا خدم اقتصادها، وتُعيد تعريف “الحرية” بما يناسب خطابها السياسي، الإنسان، في هذه المنظومة، ليس سوى أداة في معادلة الربح والخسارة.
جاذبية الطغيان.. حين يُبتلع الزمن في نسيج العدم
لا يمارس الطغيان سلطته فقط عبر القوانين أو الخطاب، بل عبر الزمن ذاته، كما أن الضوء لا ينجو من جاذبية الثقب الأسود، كذلك الحقيقة لا تنجو من جاذبية الاستبداد، في الأنظمة السلطوية، يُشوَّه الزمن كما تُشوَّه الجاذبية في قلب المجرة، يُعاد تشكيل التاريخ ليخدم السلطة، وتُبتلع الذاكرة في نسيجٍ مظلم لا يُصدر سوى صدى الخوف.
فالوجود الحر، في هذا السياق، لا يُمنح بل يُنتزع، كفوتونٍ يُقاوم السقوط في العدم، أن توجد، إذًا، هو أن تُقاوم الجذب، أن تُعيد تشكيل المدار، أن تُضيء ولو للحظة في فضاءٍ يُراد له أن يبقى معتماً، فالطغيان لا يكتفي بمحو الصوت، بل يسعى لابتلاع الزمن، لطمس اللحظة، ولإعادة تشكيل المدار حول مركزٍ واحد لا يُسمح بتجاوزه.
من الذرة إلى الإنسان
وحين ننظر إلى الطبيعة، لا نجد فيها صراعًا على الحق في الوجود. الذرات تتفاعل وفق قوانين دقيقة، لكنها لا تُحاسب على خصائصها، لا يُطلب من الإلكترون أن يبرر دورانه، ولا من النواة أن تشرح سبب ثباتها، كل شيء يتحرك في انسجام، لا لأن الطبيعة عادلة، بل لأنها لا تملك أدوات القمع التي اخترعها الإنسان.
وفي المقابل، الوجود الإنساني أصبح مشروطًا، يُقاس بالقوة، بالانتماء، بالامتثال، يُراقب ويُصنّف ويُعاد تشكيله وفق معايير لا علاقة لها بجوهر الإنسان، بل بسلطة من يملك تعريفه، وهنا، يصبح السؤال ملحًّا: “هل يمكن للإنسان أن يتعلم من الذرة؟ هل يمكنه أن يعيد تعريف نفسه خارج منطق الهيمنة؟”.
فالعلم لا يمنحنا إجابات أخلاقية، لكنه يفتح لنا نوافذ لفهم أعمق، اتحاد الهيدروجين والأوكسجين لا يحدث إلا في ظروف معينة، لكنه لا يُفرض بالقوة، هناك توازن، وهناك قابلية، وهناك احترام للخصائص، ربما هذا ما ينقص الإنسان، أن يعترف بخصائص الآخر دون محاولة محوها أو السيطرة عليها.
نحو مجتمع لا يُدار بالعقاب بل بالوعي
وفي نهاية هذا التأمل، لا يعود السؤال فقط عن حق الإنسان في الوجود، بل عن شكل المجتمع الذي يسمح لهذا الوجود أن يكون حرًا، غير مشروط، غير مراقب.
فالمجتمع الذي يُدار بالقوانين وحدها، دون أخلاق، يتحول إلى سجنٍ أنيق، تُضبط فيه الحركات، وتُقمع فيه الأحلام، أما الوعي، فهو ما يجعل الحرية ممكنة، والوجود جديرًا بالحياة.
No Result
View All Result