هيفيدار خالد
احتلت الأحداث الأخيرة التي شهدها حي السومرية في ريف دمشق صدارة عناوين الصحف العربية، بعد عمليات التهجير الجماعي التي تعرض لها السكان، حيث فُرضت تعليمات بإخلاء المنازل تحت التهديد، وترك الأهالي بلا مأوى، بأوامر مباشرة من السلطة الحاكمة في دمشق.
فقد هاجمت مجموعة تابعة للسلطة منازل المدنيين، وأخرجتهم بالقوة، في مشهد يعيد إلى الأذهان صور التهجير القسري التي شهدتها مدينة عفرين المحتلة من قبل تركيا. ولم تقتصر الحملة على طرد السكان فحسب، بل ترافقت مع مداهمات للمنازل وتفتيش أوراق الملكية، رافقها ترهيب واعتداءات لفظية وجسدية على الأهالي، من ضرب وشتائم وإهانات ذات طابع طائفي.
إن ما جرى يؤكد مجدداً أن هذه الحكومة لا تريد للشعب السوري أن يعيش بأمان، ولا تسعى إلى تحقيق الاستقرار، بل تمضي في سياسة الإذلال والتجويع والاقتلاع. فكيف يمكن لدولة تدّعي السيادة أن ترتكب مثل هذه الانتهاكات الجسيمة بحق مواطنيها؟
عمليات إخلاء منازل العلويين وإجبارهم على التنازل عنها لصالح السلطة الحاكمة ليست بالأمر المنطقي ولا القانوني، فأين مؤسسات الدولة من هذه الجرائم؟ وكيف يُترك سكان بالكاد يؤمّنون قوت يومهم عرضة للتهجير والمجهول؟ لقد نُهبت المنازل وسُرقت محتوياتها، وطُردت العائلات، فيما وجدت النساء والأطفال أنفسهم يبيتون في الحدائق والشوارع، أما الرجال فقد تعرضوا للاعتقال أو أُجبروا على الرحيل، في مشهد لا يُعقل أن يتحمله بشر، وكأن القوة أصبحت معياراً وحيداً لإخضاع الضعفاء. فهل هناك خطة خفية لإفراغ محيط دمشق من الشعب العلوي؟ المؤكد أن مصير هذه الطائفة، كسائر مكونات المجتمع السوري، بات في خطر حقيقي، في ظل سياسات تستهدف الذاكرة الجمعية وتحاول اقتلاع الجذور ومحو التاريخ.
وبتهجير العلويين وقتل الدروز، لا يمكن الحديث عن عدالة انتقالية في سوريا. ومع استمرار حملات التشهير الإعلامي على مدار الساعة، التي سخرتها السلطة لضرب مشروع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا وتشويه صورة شعوبه، يتضح أن هذه الحكومة بعيدة كل البعد عن مفهوم الدولة الجامعة. فحكومة تُمعن في قتل أبنائها وإذلالهم لابد أن تواجه الزوال، مهما طال الزمن.
لقد مضت أسابيع وسكان السومرية يعيشون في قلق دائم وخوف من المجهول. أين القانون مما يجري؟ وأين العدالة والإنسانية؟ الواقع أن كل شيء يتم سحقه تحت شعار السلطة الواحدة، في محاولة لطمس هوية الشعوب وتشريدها، وهو وجع السوريين أجمع.
نساء السومرية وأطفالها الذين لا يملكون اليوم سوى الصمت، لا يطلبون من سلطة دمشق سوى لقمة عيش وسقف متواضع يحميهم من برد الشتاء وحر الصيف. إنهم لا يسعون إلى مناصب ولا امتيازات، بل فقط إلى كرامة العيش. غير أن القيم الإنسانية والمجتمعية تضررت على يد سلطة ترى في أي اختلاف تهديداً، وتتعامل مع التنوع باعتباره خطراً وجودياً.
كان من المفترض على السلطة الجديدة أن تقدّم حياة كريمة لهؤلاء السكان، وأن تبني دولة تستوعب جميع أبنائها، لا أن تفرض القرارات الجائرة بقوة السلاح والعنف والإذلال، فالأوطان لا تُبنى بعقلية الترحيل والترهيب والقتل والنهب، بل تُبنى بالعقلانية والعدالة والاعتراف بالآخر المختلف، أيّاً كان انتماؤه.