No Result
View All Result
رؤوف كاراكوجان
لقد استنفدت دولة إيران كل وقتها وطاقتها ومواردها لتصبح قوة إقليمية، ووصلت إلى نهاية مسيرتها في هذا الصدد، ولم يعد أمامها من الآن فصاعداً سبيل للتقدم، لقد انهارت حروبها بالوكالة واستراتيجيتها في السياسة الخارجية، وفقدت مجدها السابق. لم تتلقَّ إيران في حربها مع إسرائيل، أي دعم من حلفائها كروسيا والصين، وخاصةً أنّ تحالفها مع روسيا في تحديد مصير سوريا قد أخفق، وفي قضية أوكرانيا، تقاربت الولايات المتحدة وروسيا بعض الشيء، وهذا سيؤدي إلى ابتعاد روسيا عن إيران، وقد مهد هذا الوضع الطريق لعزلة إيران منذ الآن. يقول المسؤولون الإيرانيون إنّ “روسيا سلمت سياساتنا الأمنية لإسرائيل” كما يعزون وفاة الرئيس الإيراني السابق رئيسي، الذي مات في حادث تحطم طائرة، إلى معلومات روسية قُدِّمت لإسرائيل، إذا صحَّ هذا، فهذا يعني أن الفجوة بينهما قد اتّسعت، وأنّ انعدام الثقة قد تسلل إلى علاقاتهما.
يشكّل برنامج إيران النووي بداية سياساتها الإشكالية، فقد كان البرنامج النووي الإيراني أشبه بحكاية الأفعى لسنوات، ولم تُسفر سنوات من المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وإيران حول برنامجها النووي عن أي نتائج، ومن الواضح أن صبر الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية بدأ ينفد بشأن مسألة الوقت الذي انقضى بالفعل، وجعلت إيران التي انسحبت من الاتفاق، من هذه المسألة مسألة وجودية، فليس أمامها خيار سوى تطوير برنامجها النووي لحماية نفسها من التهديدات الخارجية.
من المسائل الإشكالية الأخرى التي تواجه إيران سياستها الخارجية القائمة على معاداة إسرائيل والصهيونية، وفي هذا السياق، تحوّل دعمها للقوى المعادية لإسرائيل، مثل الحشد الشعبي وحماس وحزب الله والحوثيين، إلى حرب بالوكالة ضد إسرائيل، ومن أسباب حرب إسرائيل على غزة، والهجمات على حزب الله والحوثيين، سياسات إيران المعادية للصهيونية.
سيزداد عدد المؤيدين للحرب بين إيران وإسرائيل، وليس من المستغرب أن يتحول هذا الوضع إلى حرب يتعاون فيها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والناتو وإسرائيل ضدّ إيران، هذا ما سيحدث لا محالة، فالمؤشرات والتطورات على ذلك واضحة ويمكن ملاحظتها منذ الآن، ومن المفيد القول: “هناك حرب وشيكة على إيران”.
وبدلاً من أن تقوم إيران، في مواجهة الحرب المحتملة التي تنتظرها، شأنها شأن تركيا (التي بالمناسبة لم تتّخذ أي خطوات ملموسة في هذا الشأن حتى الآن)، بفتح باب السلام مع الكرد، تسعى إلى قمع المعارضة بذريعة تعزيز الجبهة الداخلية، وتحقيق نتيجة من خلال سحقها، ومن الواضح أن كثرة الاعتقالات، وتزايد عمليات الإعدام، وتزايد الهجمات على الشعبين الكردي والبلوشي ناجم عن الخوف من اقتراب الحرب.
ستزداد هجمات النظام الإيراني على الكرد وجماعات المعارضة الأخرى أكثر من الآن فصاعداً، سيتصرف الملالي كما لو كانوا يعانون من متلازمة أموك (الجنون القاتل). وخوفاً من علاقات قوات سوريا الديمقراطية مع الولايات المتحدة، وفتح ممر داود بين روج آفا وإسرائيل والعلاقات المحتملة مع إسرائيل، ستواصل إيران سياسة الهجوم على الكرد، ومن المتوقع أن تشنّ حملات ضدّ حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK) الذي يملك تأثيراً على الكرد في روجهلات كردستان (شرق كردستان) وحزب العمال الكردستاني، وتسعى إيران إلى سحق المعارضة على الصعيد الداخلي، قبل الدخول في حرب شاملة وبالتالي إبعادها عن دائرة التهديد.
إنّ سبب تجدد التوتر بشأن وجود قوات الحشد الشعبي في العراق هو اقتراب الحرب تدريجياً، وسيكون حل الحشد الشعبي أو دمجه خياراً صعباً على العراق، فقضية الحشد الشعبي تحمل في طياتها إمكانية التأثير على الانتخابات البرلمانية العراقية المقبلة، لذا تنتظر هذه الأزمة حلاً، وإلّا، ستصبح هدفاً لإسرائيل، وستمتد الحرب إلى العراق أيضاً.
تواجه إيران مشاكل خطيرة جداً بسبب دولتها القومية وتقاليد الدولة البالية، إنّها تسعى إلى الحفاظ على سلطتها بقمع المعارضة وبالدولة الثيوقراطية، وتعني الممارسات اللاديمقراطية وقمع الأقليات وسياسات الإعدام أنّ النظام لم يعد قادراً على الاستمرار بشكلٍ جدي، لقد تحولت الثورة الإسلامية إلى نظامٍ متهالك.
سيجري الحديث بشكلٍ أكبر عن إيران مستقبلاً، فأي حرب جديدة ضدّ إيران، التي أصيبت في حرب الاثني عشر يوماً، ستؤدي إما إلى تغيير الحكومة، أو إلى حرب أهلية كما في سوريا. إنّ تشكيل تحالف حربي ضد إيران أمر لا مفر منه ولا عوده منه، إذا بدأت الحرب على الجبهة الإيرانية، فإنّ الحروب في غزة وأوكرانيا ستنتهي أيضاً بطريقة ما، وسيتم نزع سلاح حزب الله، وسيتم تحييد الحوثيين، فلكي تكون الحرب على إيران على جبهة واحدة وتحقق نتائجها يجب تقليص الجبهات الأخرى.
لقد حانت نهاية الإسلام السياسي في تركيا ودولة إيران، لن تتمكن تركيا وإيران من الاستمرار إلّا إذا غيّرتا نفسيهما، واعتنقتا الديمقراطية، وتصالحتا مع المكونات الاجتماعية وعقدتا السلام معها، فإمّا أن يكتبا التاريخ بقرار الديمقراطية، وإمّا أن تنهار الأنظمة الحالية مع مرور الزمن وتختفي في غياهب التاريخ.
No Result
View All Result