No Result
View All Result
لورنس الشعير
في بادية الجزيرة، حيث يمتد السهل حتى يذوب في الأفق، عاش راعٍ بسيط يُدعى سلامة، رجلٌ ورث عن أبيه مهنة رعي الغنم. كان سلامة شابًا شجاعًا، يقضي نهاره بين أغنامه في البراري، يصغي إلى أصواتها كأنها أنغام تألفها نفسه. كانت الغنم مصدر رزقه الوحيد، وهي عنده أغلى من الذهب، لأنها تحميه من ذلّ الحاجة.
وفي إحدى الليالي، كان سلامة يسوق قطيعه قرب وادٍ تغمره أشجار الطرفاء والعوسج. السماء صافية، والقمر بدر، لكن الليل في البادية لا يُؤمَن جانبه، ففي كل ظل قد يختبئ ذئب، وفي كل زاوية قد يترصد وحش.
جلس سلامة قرب النار يراقب قطيعه، فإذا به يسمع حركة خفيفة بين الشجيرات. نهض متأهبًا، فإذا بعيون لامعة تتراءى من بعيد، تلمع مثل جمر تحت رماد. إنه الذئب! خصم الرعاة القديم، والضيف الثقيل الذي لا يُستأذن.
اندفع الذئب بسرعة البرق، وخطف حملاً صغيرًا من طرف القطيع. صرخ سلامة بأعلى صوته وهو يعدو خلفه:
ـ اتركه يا ذيب! ما يشبعك الحمل، صغير ما يسد جوعك.
لكن الذئب، على غير عادة الوحوش، التفت إليه وكأنه يجيبه بكلمات البشر. في الحكاية الشعبية يقال إن الذئب تكلم وقال:
ـ يا سلامة، أنا ما أخذت الحمل لأشبع بطني، لكني أخذته لأزرع الخوف في قلبك، فتظل عيناك ساهرة على غنمك، ويتعلم صغارك أن الغفلة تساوي الفقد.
تجمد سلامة في مكانه، وهو يسمع كلمات الذئب. ثم غاب الذئب في العتمة وهو يحمل الحمل بين أنيابه. رجع سلامة إلى القطيع حزينًا، فقد خسر حملا من غنمه، لكن صدى كلمات الذئب ظل يرنّ في أذنه.
جلس سلامة يحدث نفسه: “حقًا ما قاله الذئب. لو أنه أكل الحمل ما نقص القطيع كثيرًا، لكن ما تركه في نفسي من خوف وحذر سيجعلني أظل متيقظًا طول العمر. لقد علّمني درسًا أغلى من قيمة الحمل.”
ومنذ تلك الليلة تغيّر حال الراعي. صار أكثر يقظةً، لا يغفل عن قطيعه طرفة عين. كان إذا جلس وضع عصاه في يده، وإذا نام أوقد النار لتخيف الذئاب، وأوصى صغار الرعاة الذين يرافقونه أن لا يطمئنوا إلى هدوء الليل. كان يردد بينهم:
ـ الغفلة في البادية مثل السيف المعلّق على الرقاب، ما تدري متى يهوي.
وسارت القصة بين الناس، يتداولونها في المجالس. كانوا يقولون:
“الذيب ما ياخذ حمل عشان يشبع، الذيب ياخذ عشان يخوّف.”
ولم يعد الذئب مجرد حيوان في أعينهم، بل صار رمزًا للخطر الذي لا يضرب ليأكل فقط، بل ليزرع الهيبة ويذكّر الغافلين أن الدنيا لا تُؤمَن.
وبعد سنوات، صار سلامة شيخًا كبيرًا، يجلس بين أحفاده يحكي لهم قصته. كان يقول لهم:
ـ يا عيالي، الذئب علّمني يوم خطف حملي أن العدو قد يضربك لا لينتفع، بل ليزرع فيك خوفًا يعيشك العمر كله. لذلك لا تهونوا بأعدائكم، حتى لو صغرت ضرباتهم.
فيستمع الصغار مبهورين، ويهزون رؤوسهم وكأنهم يشهدون المشهد بأعينهم. وهكذا تحولت القصة إلى حكمة باقية، تنتقل من جيل إلى جيل.
ختاماً…..ا لعبرة:
الخطر لا يُقاس بحجمه، بل بأثره. قد يضربك العدو ضربة صغيرة، لكنها تُبقي في نفسك خوفًا أكبر من حجم الخسارة. لذا؛ وجب الحذر والتيقظ، فالغفلة أول الطريق إلى الفقد.
No Result
View All Result