No Result
View All Result
أناهيد قصابيان
ليست الانتخابات مجرد ورقة تُلقى في صندوق، بل مرآة تُظهر صورة الشعوب، ومقياسًا حقيقيًا لمدى احترام السلطة لإرادة المواطنين. وإذا كانت هذه المرآة مكسورة، فلن تعكس الحقيقة أبدًا، ولن يقرأ التاريخ فيها سوى الانكسار المستمر للشرعية الشعبية.
اليوم، حين تعلن حكومة دمشق عن انتخابات برلمانية تستثني السويداء ومناطق شمال وشرق سوريا، فإنها لا تعلن فقط عن موعد انتخابات، بل تكشف عن استمرار النهج ذاته في الاستبداد والتهميش السياسي. فهي تعلن بلا مواربة أن إرادة نصف الشعب السوري لا تعني شيئًا في معادلة السلطة القائمة.
منذ أربعة عشر عامًا، والشعب السوري يصرخ من أجل التغيير، من أجل مساواة وعدالة وحرية، لكنه ظل صدى في أروقة القصور، ضائعًا بين وعودٍ لم تُنفذ، وخطاباتٍ لم تُترجم إلى فعلٍ حقيقي. والآن، بدل أن تُفتح الأبواب لكل الشعوب، تُغلق أبواب المشاركة بوجه النساء، والأقليات، والمجتمع المدني، وكأن السلطة تخشى أن تواجه واقع الإرادة الشعبية.
إن الانتخابات التي تُبنى على الإقصاء، وعلى استبعاد مناطق كاملة، تشبه بناء بيت على رمال متحركة؛ لا أساس له، ولا استقرار فيه. وأي برلمان يُقام دون أصوات نصف الوطن، سيبقى جدارًا بلا حياة، بلا شرعية، وبلا أي قدرة على تمثيل السوريين بشكلٍ حقيقي.
لكن في شمال وشرق سوريا، ولدت تجربة مغايرة، تجربة الإدارة الذاتية، حيث تُمارس الديمقراطية الحقيقية يوميًا، على مستوى القرى والمدن والمجالس المحلية، ويُشارك الجميع في صنع القرار: نساءً ورجالًا، شبابًا وشيوخًا، مكونًا متنوعًا ومتساويًا، هذه الإدارة لم تنتظر إذنًا من أحد، ولم تُقصِ أحدًا عن الطاولة، بل منحت كل مواطن ومواطنة الحق في التعبير والمشاركة.
الإدارة الذاتية ليست مجرد نموذج إداري، بل هي رسالة سياسية ووجودية: إن الشرعية ليست منحة تمنحها السلطة، ولا تُصدر عبر مراسم، بل هي حق يُمارسه الشعب نفسه، حين يُمنح القرار ويُحترم الجميع فيه. كل تجربة نجاح في شمال وشرق سوريا تثبت أن الشعب قادر على تنظيم نفسه، على حماية حقوقه، وعلى ضمان العدالة بين شعوبه، بعيداً عن التسلط المركزي، وبعيدًا عن الإقصاء الممنهج.
السلطة التي تحاول فرض انتخابات جزئية، لا تراعي التنوع ولا تضمن مشاركة حقيقية، لن تستطيع أبدًا أن تكتب شرعية على أرض الواقع. أما الإدارة الذاتية، فهي تثبت يوميًا أن الشرعية الشعبية ممكنة، وأن الديمقراطية المباشرة ليست حلمًا، بل واقع يُمارس على الأرض، ويشعر به الناس في حياتهم اليومية، من خلال التعليم، الصحة، الخدمات، والمجالس المحلية التي تستمع للجميع.
إن الانتخابات الرسمية، في ظل هذا الإقصاء، ليست سوى استمرار لعقود من التزييف السياسي، محاولة لإعادة إنتاج سلطة لم تستطِع أن تستمع لمطالب شعبها، أو تعترف بحقوق مكوناته. أما الإدارة الذاتية، فهي برهان حي أن سوريا يمكن أن تُبنى بطريقة مختلفة، أن المرأة يمكن أن تكون جزءًا من القرار، أن الشعوب يمكن أن تتساوى في الحقوق والواجبات، وأن المجتمع المدني يمكن أن يكون عنصرًا فاعلًا لا مهمشًا.
الشرعية الحقيقية لن تُكتب إلا حين يذهب الشعب كله، بلا استثناء، إلى صناديق حرّة، ويقرر مصيره بنفسه. لكنها اليوم تُكتب جزئيًا في شمال وشرق سوريا، حيث تُمارس المجتمعات الحكم الذاتي، حيث تُحترم أصوات الجميع، حيث تُصبح الإدارة الذاتية نموذجًا لمستقبل سوريا التي نريدها: سوريا المشاركة، المساواة، العدالة، والحرية.
نحن نترك الانتخابات الرسمية لمن يريدها، أما نحن، فنستمر في كتابة شرعية حقيقية، على أرض الواقع، من قلب الإدارة الذاتية، حيث الشعب هو صاحب القرار، لا الصناديق المزورة ولا القرارات المفروضة من الأعلى.
No Result
View All Result