No Result
View All Result
روناهي/ الحسكة – كانت المرأة في ريف مقاطعة الجزيرة تعاني من قيود اجتماعية واقتصادية، كالعمل الشاق في الزراعة، والزواج المبكر، والتمييز بين الجنسين، حتى غيرت الإدارة الذاتية هذا الواقع بقوانين داعمة ودورات تعليمية. اليوم، تشارك المرأة في القيادة وتتمتع باستقلالية اقتصادية، رغم استمرار بعض التحديات العشائرية؛ ما يتطلب دعماً مستمراً لتعزيز تمكينها.
في ريف مقاطعة الجزيرة بإقليم شمال وشرق سوريا، كانت حياة المرأة في السابق محاطة بتحديات اجتماعية واقتصادية عميقة. من خلال شهادات نساء من قرى المنطقة، نستعرض واقع المرأة في الماضي، والسلبيات التي كبّلتها، وكيف ساهمت الإدارة الذاتية ودورات التعليم في تغيير هذا الواقع نحو الأفضل.
واقع المرأة في الماضي.. قيود العادات والمجتمع
تتذكر “سناء حمود” كيف كانت الحياة قبل سنوات: “كانت المرأة في قريتنا تعيش تحت وطأة العادات والتقاليد الصارمة. كان المجتمع ينظر إلى المرأة على أنها مجرد ربة منزل أو عاملة في الحقول، دون أي دور قيادي أو اجتماعي. خروج المرأة وحدها كان مخالفاً للأعراف، وكثيراً ما كانت تُواجه بالنقد أو الإدانة”.
تضيف سناء، إن سفر الرجال إلى الخارج بحثاً عن عمل ترك عبئاً ثقيلاً على النساء: “كان الرجال يهاجرون إلى دول الخليج أو يذهبون للعمل في لبنان، وتبقى المرأة مسؤولة عن العمل في الزراعة، وتربية الحيوانات، وإعالة الأسرة. لكن؛ هذا العمل لم يمنحها احتراماً اجتماعياً، بل كان يُنظر إليه واجباً مفروضاً”.
من جانبها، تشير “نوهات شندي“، إلى أن المستوى التعليمي المتدني كان عائقاً كبيراً: “كثير من الفتيات في قريتنا كن يتركن المدرسة مبكراً، إما بسبب الزواج المبكر أو لأن الأولوية كانت لتعليم الذكور. كنت أرى أخواتي يتزوجن في سن الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، وهذا كان يقطع أحلامهن. التمييز بين الذكور والإناث كان واضحاً، فالأولاد كانوا يحصلون على فرص أفضل في التعليم والعمل، بينما كانت الفتاة تُعد للزواج فقط”.
كانت الزراعة وتربية الحيوانات هما المصدر الأساسي للدخل للنساء في الريف، لكن هذا العمل كان شاقاً وغير مربح في كثير من الأحيان. تقول نوهات: “كانت الأمهات تعمل في الحقول، وكن يمتلكن بعض الأغنام. لكن العائد كان ضئيلاً، ولم يكن هناك أي دعم أو تدريب لتحسين إنتاجهنَّ. كل شيء كان يعتمد على جهدهن الشخصي”.
الإدارة الذاتية.. تغييرات جذرية في واقع المرأة
مع تأسيس الإدارات الذاتية الديمقراطية في إقليم شمال وشرق سوريا عام 2014، بدأت المنطقة تشهد تغييرات جذرية في واقع المرأة. ساهمت قوانين الإدارة الذاتية، مثل قانون الأسرة الذي يضمن حقوق المرأة في الزواج والطلاق والميراث، في تغيير الصورة النمطية للمرأة في المجتمع. كما أدخلت الإدارة مبدأ الرئاسة المشتركة، حيث تتقاسم المرأة والرجل القيادة في المؤسسات؛ ما منح النساء دوراً متساوياً في صنع القرار.
تقول سناء: “بعد تأسيس الإدارة الذاتية، بدأنا نشعر أن لنا صوتاً. فأصبحت المرأة تشارك في المجالس المحلية والبلديات، وهذا كان حلماً بعيد المنال في الماضي. القوانين الجديدة جعلت الزواج المبكر أقل شيوعاً، وأصبح هناك وعي أكبر بحقوق المرأة”.
دورات تعليمية.. رافعة للوعي والتمكين
لعبت الدورات التعليمية والتدريبية دوراً محورياً في تعزيز وعي المرأة وتمكينها اقتصادياً واجتماعياً. تقول نوهات: “شاركت النساء في دورة تدريبية نظمتها هيئة المرأة حول حقوق المرأة وقانون الأسرة. تعلمت المرأة كيف تدافع عن حقوقها وكيف تشارك في اتخاذ القرارات في عائلتها وقريتها. كما التحقت بعض النساء بدورة عن الزراعة الحديثة؛ ما ساعدهن على تحسين إنتاجيتهن وزيادة دخلهن من الحقول”.
تضيف سناء: “هيئة المرأة نظمت ورش عمل حول تمكين المرأة اقتصادياً. تعلمت بعض النساء كيف تدير مشروعاً صغيراً لبيع منتجات الألبان من الأغنام التي يملكنها. هذا المشروع لم يمنح دخلاً إضافياً فحسب، بل جعل المرأة تشعر بالاستقلالية”.
كما ساهمت هذه الدورات في محو الأمية بين النساء. تشير نوهات إلى أنّ عمتها الكبيرة في السن تعلمت القراءة والكتابة من خلال برامج محو الأمية التي نظمتها الإدارة الذاتية بالتعاون مع منظمات محلية.
تغيير نظرة المجتمع
أحد أبرز التغييرات التي لمستها سناء ونوهات هو تحول نظرة المجتمع تجاه المرأة. تقول سناء: “في الماضي، كانوا يرون المرأة شخصية ضعيفة لا يمكنها اتخاذ قرارات. الآن، بفضل مشاركتنا في المجالس والمؤسسات، أصبح المجتمع يحترم دورنا. حتى الرجال الأكبر سناً، الذين كانوا يرفضون قرارات النساء، بدؤوا يتقبلون فكرة القيادة المشتركة”.
تؤكد نوهات هذا التغيير: “اليوم، أرى فتيات صغيرات في قريتنا يتحدثن عن أحلامهن في أن يصبحن معلمات أو طبيبات. هذا لم يكن ممكناً في الماضي بسبب التمييز بين الجنسين. الإدارة الذاتية شجعت تعليم الفتيات، وأصبح هناك وعي بأهمية تعليم المرأة”.
التحديات المتبقية
على الرغم من التقدم الكبير، لا تزال هناك تحديات. تشير سناء إلى أن بعض العادات العشائرية لا تزال تؤثر على بعض النساء، خاصة في القرى النائية: “ما زال هناك من يرفض فكرة عمل المرأة خارج المنزل، لكن هذه الحالات أصبحت أقل بكثير”. من جانبها، تطالب نوهات بمزيد من الدعم الاقتصادي والتدريبي للنساء: “نحتاج إلى المزيد من المشاريع الصغيرة والقروض الميسرة لدعم استقلالية المرأة اقتصادياً”.
ختاماً؛ وعطفاً على شهادتي سناء حمود ونوهات شندي، نرى كيف تحول واقع المرأة في ريف مقاطعة الجزيرة من قيود العادات والتقاليد إلى مرحلة من التمكين والمشاركة الفعالة.
الإدارة الذاتية، بدعم من قوانينها وبرامجها التعليمية، منحت المرأة فرصة لإعادة صياغة دورها في المجتمع.
اليوم، باتت نساء الجزيرة لاعبات أساسيات في بناء مجتمع ديمقراطي يقوم على المساواة، لكن الطريق لا يزال يتطلب جهوداً مستمرة لضمان استمرار هذا التحول.
No Result
View All Result