No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
تحدثنا في مقال سابق عن الفرق بين المركزية واللامركزية، كأشكال حكم تمارسها الحكومات حول العالم، واليوم سوف نتطرق إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي الفرق بين شكلين رئيسيين من أشكال اللامركزية، اللامركزية السياسية، واللامركزية الإدارية.
بالطبع هناك العديد من أنواع الأنظمة اللامركزية، لكننا سوف نتناول هذين الجانبين لأنهما القضية الخلافية الأبرز على الساحة السورية، بين الأطراف المختلفة، كما ذكرنا سابقاً هناك الكثير من الدول التي تحولت من نظام الحكم المركزي، إلى نظام لا مركزي، لما له من إيجابيات على عدة أصعدة، سواء بتخفيف قبضة المركز عن السلطة، وإعطاء صلاحيات للمناطق والتقسيمات الإدارية، بمختلف مسمياتها ليكون لها الرأي في تسيير أمورها وتنظيم حياتها، بينما تبقى الأمور السيادية بيد المركز، مع أخذ رأي الأطراف بعين الاعتبار، واليوم دعونا نعرّف اللامركزية السياسية واللامركزية الإدارية.
اللامركزية السياسية والإدارية
مع تطور الدول وتقدمها، تحولت إلى اتباع أساليب حكم تختلف عن النظام المركزي، الذي كان السبب في قيام الكثير من الثورات والانتفاضات الشعبية حول العالم، لذا تحولت العديد من الدول إلى نظام جديد يعتمد على منح صلاحيات واسعة للتقسيمات الإدارية، (إقليم، مناطق، ولايات)، يحافظ على وحدة البلاد السياسية، بنقل صلاحيات واسعة من المركز إلى المجالس والهيئات المنتخبة والمشكّلة في الأقاليم والمناطق.
بالتأكيد هذا الأمر يخفف أعباء المركز من جهة، ومن جهة أخرى يعزز العلاقة بين المركز والإقليم، أو المناطق والولايات، يختص المركز بالمسائل السيادية مثل الدفاع والمالية العامة، والسياسة الخارجية من خلال تمثيل الدولة، لكن في الوقت نفسه يكون للأقاليم والولايات أو المناطق قوات محلية، وميزانية وعلاقات خارجية أيضاً، أي أن النظام اللامركزي السياسي، يمنح الأطراف صلاحيات تشبه صلاحيات المركز، حتى في مسائل العلاقات والدفاع والمالية، لكن تبقى هذه الأمور السيادية بتمثيل الدولة بيد المركز، إذا، اللامركزية السياسية، هي عبارة عن حكم محلي ذي صلاحيات واسعة، وبالتنسيق مع المركز.
أما أصحاب النظام المركزي، يلجؤون إلى منح بعض الصلاحيات للمناطق والتقسيمات الإدارية، ولكن من خلال تعيين موظفين يتحكمون بطبيعة أعمال ومهام هؤلاء الأشخاص، وتنحصر هذه الصلاحيات في الأمور الخدمية في المحافظات أو المناطق، والبلديات والمديريات، التي تتبع لها على أن تأخذ التعليمات من المركز.
أي أنه عملياً تبقى السلطة بيد المركز، الذي يتحكّم بالأطراف عبر أذرعه التي تقوم بتعيين المسؤولين لإدارة المؤسسات، وهؤلاء يتدخلون حتى بالمسائل الدينية، مثل خطب يوم الجمعة، فتأتي التعليمات من المركز ومن الأجهزة الأمنية القمعية، أي أن كافة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، تكون بيد المركز حصراً.
وبالتالي يكون نظام الحكم مركزياً، ولا إقليم ولا حكومات محلية، ولا حكم ذاتي، فقط وحدات إدارية يترأسها مسؤول يتم تعينه من المركز، وتقتصر مهمتها على ممارسة أنشطة خدمية بحتة، أي أننا نستطيع القول، إن شكل اللامركزية الإدارية هو عبارة عن إدارة محلية للخدمات ضمن نطاق الدولة المركزية الموحدة.
مزايا اللامركزية والحالة السورية
اللامركزية السياسية، عبارة عن صلاحيات واسعة، ونوع من الحكم المحلي الشامل، فهي تُساعد في تحقيق إنجازات كبيرة وسريعة، وتستطيع حل العديد من الأمور المعقدة بعيداً عن بيروقراطية المركز، والعودة إليه في كل شاردة وواردة، يمكننا أن نوجر أبرز وأهم مزايا نظام اللامركزية السياسية وفق رؤيتها بما يلي:
ـ سهولة حل الأزمات أو المشاكل التي تتعرض لها المناطق التي تتمتع بصلاحيات دون الرجوع إلى المركز، أي تكون هي صاحبة القرار.
ـ الحقوق التي ينالها من يعيشون في ظل نظام لا مركزي سياسي، يدفعهم للحفاظ على وحدة البلاد ومنع تقسيمها وحمايتها.
ـ تساهم اللامركزية السياسية، في تحقيق التنمية المتوازنة والعادلة، بين سائر الأطراف، بحيث يكون هناك تعاون وتنسيق فيما بينها وبين المركز.
ـ يساعد على تعزيز الديمقراطية ونشرها، ومشاركة الجميع في العملية السياسية، واتخاذ القرارات بعيداً عن تفرّد جهة واحدة في ذلك.
بعد عقود من الحكم المركزي القمعي والاستبدادي، في سوريا، الذي تحكّم في مصير البلاد والعباد، ووضعها في خدمة مصالح العائلة الحاكمة، والشريحة الفاسدة المحيطة بها، من الصعب التحول بشكل فوري إلى نظام لا مركزي، خاصة في ظل قدوم سلطة جديدة للحكم، ونعدُّها سلطة أمر واقع، وقد مهّدت الطريق لنفسها للبقاء في سدة الحكم من خلال تحديد الفترة الانتقالية بخمس سنوات قابلة للتجديد!
لا يمكن أن تستمر الأوضاع في سوريا هكذا إلى الأبد، ولن يقبل السوريون أن يعودوا مرة أخرى، إلى الوقوع تحت حكم مركزي مستبد ذي صبغة واحدة، خرج السوريون إلى الساحات والميادين، مطالبين بالحرية والكرامة، ودفعوا الثمن غالياً، مئات الآلاف من الشهداء والمفقودين، أكثر من نصف الشعب السوري، إما تم تهجيره، أضف إلى ذلك التدمير الممنهج للبنية التحتية، والقدرات الاقتصادية والعسكرية لسوريا، الأمر الذي يجعل استمرار الحياة في بعض مناطقها مستحيلاً.
الوصول إلى اللامركزية السياسية
من أجل الوصول إلى نظام حكم لا مركزي في سوريا، لا بد من تحقيق بعض الخطوات الأساسية، التي ستفضي بدورها إلى خلق نوع من الثقة بين السوريين، وبالتالي تصبح الفرصة مواتية من أجل تطبيق اللامركزية في سوريا الجديدة.
من أهم هذه الخطوات هي: عقد مؤتمر حوار وطني حقيقي شامل، وبمشاركة الممثلين الحقيقيين لجميع السوريين، من مختلف الأعراق والأديان والطوائف والمذاهب، وبرعاية وضمانة عربية ودولية.
ـ تشكيل لجنة جديدة يشارك فيها ممثلو القوى السياسية، والمجتمعية السورية، وخبراء في مجال القانون، من أجل إعادة صياغة دستور سوريا المستقبل الذي يحمي حقوق الجميع.
ـ الحوار الحقيقي والجاد مع ممثلي الشعب الكردي، من أجل الوصول إلى تثبيت حقوق شعبنا في الدستور القادم، وحل القضية الكردية بالحوار السياسي.
ـ الخروج من تحت عباءات الدول الإقليمية، التي لا تهمها في القضية السورية سوى مصالحها، كإيران سابقاً، وتركيا الآن.
ومن هنا، نرى أن نظام الحكم اللامركزي السياسي، هو الأنسب والأفضل لحل سائر المشاكل العالقة، وتحقيق أهداف وطموحات السوريين، في الحفاظ على وحدة هذه البلاد أرضاً وشعباً، كي يستطيعوا العيش جبناً إلى جنب.
وقد أكّد كونفرانس “وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا”، الذي انعقد في الثامن من شهر آب 2025، بالحسكة على هذا الأمر، من خلال المشاركة الواسعة لمختلف السوريين، بالإضافة إلى مشاركة الشيخ حكمت الهجري، شيخ مشايخ الموحدين الدروز، والشيخ غزال عزال ممثلاً عن المجلس الأعلى العلوي بتقنية الفيديو.
No Result
View All Result