No Result
View All Result
فراس يونس
في خطوةٍ سياسية تنذر بتحولات عميقة في المشهد السوري، كشفت مصادر إخبارية موثوقة إن جماعة الإخوان المسلمين عرضت على تركيا استبدال الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، بسبب ما وصفوه بـ “فشله في قيادة المرحلة الانتقالية”، واقترحت الجماعة أن يتولى القيادة شخصية عسكرية مقرّبة منها، في إشارة إلى العميد فضل الله الحجي الذي تم تعيينه مؤخراً مديراً للأكاديمية العسكرية العليا، والمدعوم أيضاً من أنقرة.
ويأتي هذا التطور في توقيتٍ بالغ الحساسية، وسط تصاعد الخلافات داخل الحكومة السورية الانتقالية بين تيارين رئيسيين الأول: تيار دبلوماسي بقيادة وزير الخارجية أسعد الشيباني المدعوم جزئياً من الرئيس أحمد الشرع والذي يلقى رضى دولياً وإقليمياً اليوم.
الثاني: تيار يتمسك بالعسكرة يضم وزير الداخلية أنس خطاب ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة اللذين يفضلان الحسم الأمني والعسكري والانغلاق على الغرب، هذا التيار متهم اليوم بارتكابات خطيرة ترتقي إلى مستوى جرائم حرب في الساحل السوري ومحافظة السويداء استدعت تشكيل لجان تقصّي الحقائق دون أن تفضي التقارير المقدمة عن إجراءات عقابية رادعة كان بمقدورها أن تقطع الطريق على ما جرى من مجازر في السويداء.
فيدان في دمشق.. والبحث عن مخارج ممكنة
تكشف زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق في السابع من شهر آب الجاري، ولقاؤه بالرئيس الشرع، إن أنقرة بدأت بالتحرك العملي لتنفيذ رؤيتها حول تشكيل حكومة انتقالية سوريّة مناسبة للمصالح التركية.
بحسب المعلومات، جاء فيدان إلى دمشق بهدف غير معلن، يتمثل في الضغط على الشرع لقبول “تسوية سياسية داخلية” تقضي بتوزيع الوزارات بين شخصيات من تنظيم الإخوان المسلمين وأخرى من هيئة تحرير الشام، أي “محاصصة تركيّة الطابع” بين جناحين تعتبرهما أنقرة قابلين للسيطرة والضبط السياسي. الحضور الإخواني في الحكومة القادمة يعكس قلقاً تركياً من جنوح سلطات دمشق في الخضوع للإملاءات الإسرائيلية، وضمان أن يكون داخل مربع السلطة من يفرض سياساتها سيما وأن سوريا واقعة اليوم على خط نار إمكانية تصادم المصالح الإسرائيلية والتركية، هذا الصراع الذي يشهد تصاعداً قد يتزايد في الأيام القادمة تبدو فيه طبيعة السلطة الأحادية في دمشق موضع شد وجذب يجعل أنقرة في موضع قلق من انزياح سلطة دمشق للخروج من طاعتها ولا ضامن لذلك إلا في تركيبة حكومية تقضي بإدراج قيادات إخوانية نافذة ومؤثرة وذات قدرات على مد الجسور مع منظمات المجتمع المدني في الداخل السوري.
التعديل الوزاري يشمل وفق مصادر إخبارية موثوقة أربعة وزراء يهدف حسب تلك المصادر إلى إعادة التوازن الاجتماعي بتمثيل أوسع لمكونات المجتمع السوري (أقر بتمثيل أوسع لضرورات الأمن القومي التركي) بعد الأحداث الطائفية الخطيرة في الساحل السوري ومحافظة السويداء. كل المعلومات تشير إلى أن رسالة وزير خارجية تركيا فيدان لدى لقائه الشرع في دمشق قبل أيام كانت ترمي إلى تجميد مسار باريس وجاء كونفرانس وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا الذي انعقد في الحسكة ليعزز الرغبة في نسف المسار الفرنسي على اعتبار أن أنقرة تعتبر باريس منحازة للكرد وباريس تعتبر أنقرة منحازة لحكومة الشرع. النتيجة كانت إن السلطة السوريّة أعلنت رسمياً تجميد المفاوضات مع الكرد في باريس.
حكومة بتوازنات قلقة.. وإقصاء للشعوب السوريّة
تشير هذه التحركات إلى توجه تركي نحو تشكيل حكومة لا تعبر عن تنوع المجتمع السوري، ولا تراعي التوازنات الجغرافية والسياسية والديمغرافية الضرورية لبناء سوريا مستقرة، فتنظيم جماعة الإخوان مرفوض شعبياً على الأقل من طيفٍ واسع من الشعب السوري، لطالما ارتبط في الوعي المحلي بتجارب سابقة طبّعت بالفشل والانغلاق، إلى جانب موقف سلبي تجاهه من قبل معظم الدول العربية، لا سيما مصر والسعودية والإمارات.
وفي حال نجحت أنقرة في فرض حكومة تضم شخصيات تنتمي لتنظيم الإخوان، أو من يدور في دائرتهم؛ فإن ذلك يعني عزل مكونات رئيسية من المشهد السياسي السوري، لا سيما القوى الفاعلة على الأرض السورية، وعلى رأسها الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا وقواتها؛ قوات سوريا الديمقراطية، والمجتمعات المحلية في الساحل والسويداء وشخصيات لطالما كانت مع الثورة السورية ضد النظام السابق وهم مقبولون من قبل كل شرائح المجتمع السوري.
الشرع بين مطرقة ضغوط الداخل وسندان ابتزاز الحلفاء
رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع، الذي كان قد حظي بدعمٍ تركي أولي، يبدو اليوم في موقف لا يُحسد عليه إذ يتعرض لضغوط متزايدة من التيار العسكري داخل حكومته، وفي الوقت ذاته يمكن أن تتخلى أنقرة عنه لصالح شخصية موالية للإخوان في إشارة واضحة إلى ما يبدو أنه تراجع ثقة أنقرة به أو عدم رضاها عن أدائه، لا سيما في ملفات اعتبرتها تركيا أساسية، مثل الساحل، السويداء، وملف العلاقة مع الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية والتطبيع مع إسرائيل.
هذه التطورات تأتي مع ما تشهده الحكومة الانتقالية من صراع خفي داخلي بين تيار يتمسك بالخط الدبلوماسي المعتدل القابل لإقامة علاقات مع الدول الغربية والتفاوض مع القوى الداخلية بطريقة سلمية، يقابله تيار أكثر تشدداً ويصر على الخيار العسكري للحسم مع الملفات الداخلية ولا يأبه كثيراً للرغبات الغربية، وهو ما يمكن أن يودي بالبلاد والسلطة الحاكمة فيه إلى عزلة سياسية جديدة قد تقوض مستقبل البلاد في ظل المرحلة الانتقالية التي تقودها.
ماذا عن مواقف الدول الداعمة.. وعن مستقبل التسوية؟
تشكيل حكومة تُهيمن عليها شخصيات من جماعة الإخوان المسلمين و”هيئة تحرير الشام”، سيخلق تحديات جدية على الصعيدين الإقليمي والدولي. فمن غير المتوقع أن تستمر دول عربية في دعم عملية سياسية تنتهي بحكومة يعتبرها كثيرون “متطرفة وغير جامعة”، ما قد يؤدي إلى انسحاب بعض الدول التي أعادت علاقاتها مع دمشق ومؤخراً، أو على الأقل تجميد تعاونها السياسي والاقتصادي.
ومن الواضح أن أي حكومة لا تُمثل كافة أطياف المجتمع السوري، وتستند فقط إلى تحالفاتٍ إقليمية ضيقة، ستُنتج حالة جديدة من عدم الاستقرار، وربما تؤدي إلى تصعيد أمني أو احتجاج شعبي في المناطق الخارجة عن سيطرة القوى الإخوانية أو المتشددة. كما أن هذه التركيبة الحكومية قد تُعقّد من إمكانية تحقيق تسوية عادلة ودائمة، وتُجهض آمال بناء دولة ديمقراطية تشاركية تعبّر عن طموحات السوريين في الحرية والكرامة. هنا لا غنى عن العودة إلى الخيار الحاسم والعقلاني بإعادة تصويب المسار الذي اختطته السلطة وخطفت فيه تطلعات السوريين في بناء النظام الديمقراطي التشاركي بالعودة إلى إطلاق ورشة المؤتمر الوطني التأسيسي الثاني وصياغة إعلان دستوري بديل يعكس توافق مصالح المكونات السياسية والاجتماعية في إطار الوحدة السورية شعباً وأرضاً.
مستقبل سوريا على المحك
نلحظ من كل ما سبق، إن الدفع التركي نحو حكومة محاصصة أيديولوجية، يعيد إلى الأذهان خطورة مصادرة القرار السيادي لدولة تنفض عن كاهلها حرب وأزمة 14 سنة، وخطورة تجارب دولية فاشلة بُنيت على أسس مذهبية أو حزبية ضيقة وفشلت في ترسيخ الاستقرار مثل الحالة العراقية أو اللبنانية. في الحالة السورية، سيكون ذلك أشد خطورة نظراً للدمار الهائل الذي شهدته البلاد، وتآكل الثقة بين الشعوب المختلفة، ما يتطلب توافقاً وطنياً واسعاً لا يمكن أن يتحقق بحكومة أحادية اللون من خصمين سينشغلان على الأرجح بتصفية خلافاتهما (الإخوان المسلمين وهيئة تحرير الشام).
في المحصلة، الطريق إلى الحل في سوريا لا يمر عبر المحاصصة ولا من خلال تحالفات فوقية مع قوى مرفوضة شعبياً، بل يتطلب مشروعاً وطنياً جامعاً، من خلال تنفيذ عملية سياسية شاملة للجميع يقودها السوريون ويمسكون بزمامها استناداً إلى المبادئ الرئيسية الواردة في القرار الدولي 2254 واعتماد اللامركزية في الإدارة والحكم. فهل يمكن أن يحصل ذلك في ظل الاحتلال التركي للأراضي السورية ومساعيه لمد نفوذه والتدخل الإسرائيلي؟
No Result
View All Result