No Result
View All Result
أحمد عبد الرؤوف
لا تستكين القريحة لمستعمر يُسمّى اليأس، ولا تنقاد الحروف لجنس أدبي واحد على الدوام، فالشعر صفة التمرّد بالنسبة للشاعر، والأجناس الأدبية الأخرى بمثابة قناديل تضيء ليل الشاعر الشتائي الطويل الذي يتّسع لألف حكاية ربما لا تلملمها قصيدة مهما استرسلت أبياتها.
ولعلّ الشعراء الذين تجاوزوا خط الشعر إلى القصة وغيرها من فنون النثر كثيرون في العصر الحديث والعكس صحيح، ولمّا كانت مصر الولّادة الأولى لكتّاب القصة القصيرة والمسرحية، كانت سوريا جناح القصة الآخر الذي لا يمكن لطير هذا الجنس الأدبي أن يحلّق دونها، ومع توالي النكبات على الكتّاب والمثقفين السوريين على امتداد هذه الأرض، كثر الكتّاب فيها أيضاً، ومنهم من كتب عن واقع المأساة السورية بالصورة الواقعية، ومنهم من تمرّد على هذا الواقع بالإصرار على الحب ونكران الهجران والهزيمة.
الشاعرة والقاصّة ازدهار الخطيب، من مدينة القدموس بريف طرطوس، قضت أيام الصبا وكبرت مع الحرف خلقاً بعد خلق، وكبر الحرف فيها صدقاً فوق صدق، لتتمرّد بالشعر كما أسلفنا على واقع التهميش الذي عاشته المرأة السورية في واقع الحال منذ عقود طويلة، وازدادت مأساتها خلال سنوات الحرب التي امتدت لأربعة عشر عاماً دون ضوء يلوح في آخر النفق، ولكي تضيء قناديل الحرف المنثور قصّة تخرج بها عن الصمت، حين تمنح كلمات الحب فيها مقام الحلم، فلا يأبى الحلم أن يكون ضوءاً ملموساً في لحظة وحي خاطفة، لابد أن تظهر الطبيعة الخلابة وبوح أمواج البحر القريبة على شفاه السطور حروفاً تنظمها تارة بقصيدة، وتنثرها تارة بقصّة قصيرة، لتكتمل شخصية المرأة المصابرة والمتمسّكة بالحياة.
ولعلنا نستطيع السفر مع الشاعرة والقاصّة ازدهار الخطيب في قصّة المصابيح التي تحوّلت إلى دهشة.
“دهشة”
تنزع أمي الزجاجة العاتمة، وبعناية تقوم بتنظيفها وتلميعها من هباب ليل شتوي طويل بمنديل قطني مخصص، ثم وبأناة تعيد الزجاجة متلألئة إلى القنديل.. وهي تشعر بزهو النظافة؛ كانت هذه إحدى أهم طقوس الصباح، فليس مقبولاً عندها أن نستقبل النهار بزجاجة قنديل معتمة أو مكسورة.. تأمّلت جروح أصابعها من أثر التنظيف بعين أدهشتها العتمة وأثارت فضولها، فكلما نفد زيت الكاز ارتعش ضوء المصباح واستسلمت فتيلته لفنائها، لكم راودني وأرّقني سؤال تردّد في أعماقي لماذا.. لا نضيء؟
لماذا.. يحتاج البشر إلى مصابيح ينفد ضوؤها؟ لماذا لا نبصر في العتمة؟
تأمّلت أضواء الشموع والقناديل والفوانيس القديمة وشيئاً فشيئاً..
لاحظت أنه كلما نفد زيت القنديل وانطفأ.. توهّج في داخلي قنديل نور ساطع.
أمدُّ يدي فألمحها أمام عينيّ المغمضتين المستسلمتين للدهشة.
وكطير تحرّر من نافذة مفتوحة في عيني بأجنحة ملء الكون أبصر عالماً من نور وهّاج نقي لا أرغب في مفارقته أبداً، أحرّك أصابعي لأثبّت حقيقة رؤيتي فتتحرّك بنفس الحركة، أصرخ مذهولة، ها هو الدم يمشي في عروقي ألا ترون النور فيها يسري؟ ترتعش جفناي المغلقتان فألمح وجوه أهلي، أحاول أن أشرح لهم اكتشافاتي الصغيرة هذه.
لكنّي وبعد محاولات باءت جميعها بالفشل لجأت لصمت عميق. أعبُّ ملء صدري فرحة اكتشاف ذلك المصباح الذي يضيء في داخلي ولا يراه سواي ولا يسمعه إلاي وهو يهمس لي: (شبيك لبيك) “اطلبي يا حلوة بس واتمني”.
نجد جذوة الانتماء للتفاصيل الصغيرة متوهجة في النص، حيث أن ازدهار الخطيب نسجت من عاطفتها دهشة متواترة في الشعور والذهن لدى المتلقّي بحروف بسيطة متماسكة من حيث الشكل، عميقة من حيث المعنى، ثابتة من حيث الوقع في النفس.
وفي نص آخر يجسّد شكل القصة القصيرة جداً والتي يستعاض عنها بـ “ق ق ج” نجد التماسك في النص والبلاغة في الإيجاز والإتمام للفكرة، ونسج الحكمة برؤية بعيدة، فتقول:
“ذكرى”
“حين تأمّلت عناقيد الكرمة وهي تتحوّل من حصرم حامض إلى عنب حلو المذاق.. تعلمّت أن النضج هو أن تشف وتسمح للنور بالعبور”.
نلاحظ أن هذا النص تضمّن عناصر القصة المألوفة ضمن إيجاز شديد، وحكمة بالغة، ورؤية بعيدة تعتبر خلاصة تجربة الكاتبة وتجلّي صور الحقيقة على مرآة الخيال التي تمتلكها.
وإذا ما توقفنا عند الشاعرة ازدهار الخطيب نجد أن تجربتها سفر بعوالم الشعر الحديث الذي يُغني بالشعور والصورة عن الموسيقا التقليدية المعروفة بالأوزان الخليلية، فتميل كتابتها الشعرية إلى الذات والإبحار في قيعان بحورها البعيدة وفيما يلي نصٌّ شعري تتساءل فيه الشاعرة عن ذاتها يائسة عن معرفة من تكون، ثم تجد لهذا اللاوجود ألف وجود في القصيدة.
وها هي في مطلع قصيدة مطولة بعنوان “من أنا” تقول:
“حين أتذكّر من أنا
لا أدري كيف
ينهمر دمعي
ثم أبدأ شيئاً فشيئاً
بخلع أزيائي
أقنعتي وألواني
وكل نصوصي
التي حفِظتُها غيباً
لأبهج الجميع
فيضحكون
ثم أبقى في نهاية
الحفل وحدي”
وفي موضع آخر تقول:
“كلما تذكّرت
أجدني خارجاً من
نصوص الحرب
ناجياً بقلبي من
معارك العالم
مغلقاً باب الأوهام
بفتح باب اللحظة
منتشياَ أطوف
بنسيم وصلي بذاتي
ونعيم الصمت واليقين”.
تجربة ثرية في ميادين الأدب السورية
وعن تجربتها الأدبية تحدثت ابنة مدينة طرطوس الشاعرة والقاصّة ازدهار الخطيب لصحيفتنا “روناهي” وتبين لنا بأنها أمسكت بالقلم منذ نعومة أظفارها، وأسهبت في القراءة والبحث عن ذاتها في النص دونما تردد، كما عرفتها مدينتها، كما أنها لم تكتفِ بالمشاركة في مدينة القدموس أو طرطوس، بل وقفت على معظم المسارح في سوريا، ونشرت في العديد من الصحف.
الحفاوة والتذوق سمتا جمهور الأدب
ازدهار الخطيب من خلال حديثا أشارت إلى خصوصية وتفرد الحالة الثقافية والأدبية في مناطق شمل وشرق سوريا: “وجدت في شمال وشرق سوريا متّسعاً رحباً للثقافة المشتركة خلال مشاركتي بمهرجان الفرات الأدبي الأول الذي أقيم في شهر أيار الماضي في مدينة الرقة، الحركة الأدبية مفعمة بالحياة، مزينة بكوكبة من الأدباء والشعراء رجالاً ونساء رأينا بعضهم خلال هذه المشاركة، كما أن الجمهور كان على الموعد مع المبدعين بحفاوة لم نجد مثلها في مشاركات أخرى”.
المرأة في مواقع الريادة والتميز
ازدهار تحدثت بإسهاب عن تميز المرأة السورية: “إن المرأة السورية في كل بقاع سوريا تستطيع أن تثبت حضورها الأدبي بجدارة منقطعة النظير من خلال كلمتها الأخّاذة وفصاحتها المميزة بما لا يحجبها عن ممارسة العمل في المنزل وخارجه، لتكون مربية لأطفالها وفاعلة في المجتمع ومنتجة في العمل”.
No Result
View All Result