زاوية الدين والحياة ـ علي زاخراني
يُعدّ مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي وُلد في مكة المكرمة نحو عام 570 ميلادي، لحظةً فارقةً في تاريخ الإنسانية. لم يكن المولد مجرد واقعةٍ تاريخيةٍ ارتبطت بمكانٍ وزمانٍ محددين، بل كان بدايةً لرسالةٍ كونيةٍ أضاءت العالم بنور الرحمة والعدل. فالنبي الكريم جاء ليغرس في النفوس مكارم الأخلاق وليجعل الفضيلة أساس التعامل بين الناس، وقد لخّص مهمته بقوله: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
منذ طفولته، تميز بصفاتٍ استثنائيةٍ جعلت أهل مكة يلقبونه بالصادق الأمين، لما عرفوه عنه من صدقٍ في القول وأمانةٍ في المعاملة. ورغم يتمه وظروف نشأته، شارك في مبادراتٍ إنسانيةٍ مثل حلف الفضول، الذي اجتمع فيه رجال من قريش لنصرة المظلومين وردّ الحقوق إلى أهلها. وعندما بُعث رسولاً، تجلت هذه الأخلاق في أسمى صورها؛ فحين دخل مكة فاتحاً بعد سنواتٍ من الإيذاء والاضطهاد، لم يتخذ الانتقام سبيلاً، بل خاطب من آذوه قائلاً: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». كان يعفو وهو قادر، ويرحم وهو في موضع قوة، ويؤسس مجتمعاً في المدينة يقوم على التعايش والاحترام المتبادل، حيث ضمنت وثيقة المدينة الأمن للجميع بمختلف معتقداتهم.
لكن حين ننظر إلى واقعنا اليوم، يتضح أن كثيراً من المجتمعات الإسلامية قد ابتعدت عن هذا النهج النبوي. ففي سوريا، مثلاً، يعيش الناس صراعاتٍ داميةً وانقساماتٍ حادةً أهدرت القيم التي جاء بها الإسلام. تحوّل الدين في أيدي بعض الجماعات إلى أداةٍ للصراع بدلاً من أن يكون مظلةً للرحمة، وصار العنف لغةً غلبت على العدل، والتشدد غطّى على جوهر الشريعة القائم على الرفق والإنصاف. وهو مشهدٌ مؤلمٌ يشي بانحرافٍ عن الطريق الذي خطّه النبي صلى الله عليه وسلم، حين جعل العدل أساس الحكم، والرحمة قاعدة التعامل.
وليس الحال في سوريا وحدها، بل في أماكن أخرى من العالم، حيث يتكرر المشهد ذاته، إذ تُستخدم شعاراتٌ دينيةٌ لتبرير ممارساتٍ متطرفةٍ تبعد الناس عن روح الإسلام الحقيقية. وقد أسهم هذا الانحراف في تشويه صورة الدين عالمياً، بينما الرسالة النبوية في جوهرها لا تزال تقول: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ».
إن ذكرى المولد النبوي، إذن، ليست مناسبةً عابرةً للفرح أو الاحتفال التقليدي، وإنما فرصةً للتأمل في المسافة التي تفصل بين واقعنا وبين ما أراده لنا النبي الكريم. العودة إلى نهجه لا تعني استرجاع الماضي في شكله، بل لاستلهام قيمه في حاضرنا؛ العدل بدل الانتقام، الرحمة بدل القسوة، بناء المجتمعات على التعايش لا على الانقسام. إنها دعوةٌ لأن نجعل هذه الذكرى محطةً لإعادة قراءة السيرة النبوية باعتبارها مشروعاً إنسانياً متجدداً، لا حكايةً تُروى في المجالس فحسب.
بهذا المعنى يصبح المولد النبوي منطلقاً لإعادة تشكيل وعينا الجمعي، وتجديد عهدنا بالقيم التي تحتاجها البشرية اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، قيمٌ ترفع من شأن الإنسان وتعيد إلى العالم شيئاً من السلام المفقود.