No Result
View All Result
محمد عيسى
في خضمِ الفوضى السياسيّة والاقتصاديّة التي تعيشها سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأوّل 2024، تبرز حكومة المرحلة الانتقاليّة في مشهدٍ تتسارع فيه الاتفاقيات الدوليّة ومذكرات التفاهم الاستثماريّة، التي تُقدَّم إعلاميّاً على أنّها خطواتٌ نحو إعادةِ الإعمار وجذب رؤوس الأموال. لكن؛ ما يقف خلف هذه الصورة اللامعة، هو واقع آخر أكثر قتامة، يتمثلُ بغيابِ الشرعيّة القانونيّة لهذه التفاهمات، وارتباط كثير منها بشركاتٍ وهميّة لا وجودَ لها إلا على الورق، فضلاً عن إنّ القسم الأكبر منها يخدم أجنداتٍ إقليميّة، على رأسها تركيا، التي تسعى لفرض وصاية اقتصاديّة طويلةِ الأمد على القرار السوريّ.
شرعيّة منزوعة منذ البداية
من الناحية القانونيّة، يمكن القول إنّ أيّ اتفاق دوليّ أو استثماريّ تُقدِم عليه حكومة انتقاليّة في بلدٍ يعيش مرحلة ما بعد سقوط نظام استبداديّ، يُعتبر بحكم الباطل أو على الأقل فاقداً لأيّ شرعيّةٍ دستوريّةٍ، فالمرحلة الانتقاليّة، بحسب الأعراف الدوليّة وتجارب الدول الخارجة من نزاعاتٍ داخليّةٍ أو حروبٍ أهليّة، ليست زمناً طبيعيّاً للاستثمار طويل الأمد، بل فترة مؤقتة يُفترض أن تقتصرَ مهمتها على إعادة ترتيب البيت الداخليّ، صياغة عقد اجتماعيّ جديد، وضع دستور دائم، وبناء مؤسسات دولة قادرة على تمثيل جميع الشعوب، وأيّ خطوةٍ تتجاوز هذه المهام، وتذهب نحو إبرام عقود طويلة الأجل، سواء مع دول أو شركات كبرى، تحمل في جوهرها خطراً مضاعفاً: أولاً لأنها تُقيّد مستقبل البلاد باتفاقيات لم تُعرض على برلمان منتخبٍ أو هيئةٍ شرعيّة دستوريّة، وثانياً لأنّها تمنح الطرف الخارجيّ المستفيد ذريعة للنفوذ المباشر في الداخل السوريّ.
ورغم وضوح هذه القاعدة، فإنّ حكومةَ أحمد الشرع لم تلتزم بها، بل اندفعت، خلال أولى الأشهر من استلام السلطة، إلى عقد تفاهمات ملياريّة مع دول مثل تركيا وقطر والسعودية، ومع شركات وواجهات اقتصاديّة مشبوهة لا يُعرف لها أصلٌ أو نشاطٌ حقيقيّ، والمشكلة لا تكمن فقط في حجم هذه الاتفاقيات – التي تجاوزت عشرات المليارات – بل في أنّها وُقّعت وكأنّ هذه الحكومة الانتقاليّة تملكُ تفويضاً سياديّاً كاملاً وشعبيّاً دائماً، في حين أنّها في الواقع مجرد إدارة مؤقتة لا يحقُّ لها التصرفُ باسم السوريين لعقودٍ قادمة.
القانون الدوليّ العام واتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، وحتى قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بعمليات الانتقال السياسيّ، تؤكد إنّ الحكوماتِ المؤقتة تُناط بها مسؤوليّة إدارة الشؤون اليوميّة العاجلة: توفير الأمن، استمرار الخدمات الأساسيّة، ضمان عدم انهيار المؤسسات. وأيّ مهمةٍ أخرى تتعلق ببيع أصول استراتيجيّة، أو ربط شبكات الطاقة، أو إبرام عقود ذات طابع استثماريّ طويل الأمد، تُعتبر تجاوزاً لصلاحياتها. ومن هنا، فإنّ توقيع اتفاقية 23 أيار 2025 مع تركيا، الخاصة بربطِ شبكاتِ الكهرباءِ وتشغيلِ خط الغاز من كلس إلى حلب، لا يمكن تفسيره إلا كخرقٍ واضحٍ لهذه القاعدة، وكمقدمةٍ لإدخالِ الاقتصاد السوريّ في دائرة تبعيّة مباشرة للقرارِ التركيّ، خصوصاً إنّ الاتفاقَ تضمّن أرقاماً ضخمة وأبعاداً استراتيجيّةً تمسّ البنيةَ التحتيّة الحيوية للبلاد، وهي ملفاتٌ لا يحقُّ لحكومةٍ انتقاليّةٍ التصرفُ فيها.
شركات على الورق واستثمارات وهميّة
وإذا كان الخللُ القانونيّ الواضح في توقيع الاتفاقيات خلال المرحلة الانتقاليّة يثير تساؤلاتٍ عميقةً حول مشروعيّة هذه الخطوات، فإنّ الجدلَ الشعبيّ الذي أعقب اتفاقات التفاهم الاستثماريّة التي وُقّعت في دمشق بتاريخ 19 آب 2025 يكشف وجهاً آخر من الأزمة، أكثر خطورةً وإحراجاً، فقد أعلنتِ الحكومة السوريّة الانتقاليّة حزمةَ مشاريعَ طموحةً تبلغ قيمتها نحو 14 مليار دولار، تشمل مترو أنفاق في العاصمة، وتأهيل مطار دمشق الدوليّ، ومجمعات سكنيّة ضخمة، وغيرها من المشاريع التي تتطلب عادةً استثمارات دوليّة كبرى وبنية تمويليّة معقدة. لكن؛ سرعان ما ظهرت حقيقةٌ مغايرةٌ، حين بدأ ناشطون وخبراء محليون بالبحث عن هويةِ الشركاتِ الموقّعة.
النتيجة كانت صادمةً؛ معظم تلك الكيانات التي أُعلن عنها لا وجودَ فعليّاً لها إلا على الورق. إنّها شركات مسجَّلة برؤوس أموال ضئيلة لا تتجاوز في أفضل الأحوال بضع عشرات الآلاف من اليوروهات أو الدولارات، بينما تزعم أنّها ستنفذ مشاريع بمليارات الدولارات، والمثال الأبرز هو شركة UBAKO، التي قيل إنّها إيطاليّة. لكن؛ مراجعة السجلات الرسميّة الإيطاليّة أظهرت أنّها أُسِّست في عام 2022 برأسمال لا يتجاوز 16 ألف يورو (لم يُسدَّد بالكامل)، وأنّ عدد موظفيها لا يزيد على موظف واحد. والمدير المزعوم، جيوفاني روسيّ، ولا توجد أيّ معلومات موثوقة عنه، فيما تعود الحسابات الرقميّة للشركة إلى شخصٍ سوريّ يُدعى بسام السبع، والذي قدّم نفسه في لقاء على قناة الإخباريّة كصاحبِ “شركة مقاولات درجة ممتازة” في دمشق. وأوضح أنّ المشروع يتضمن بناء 20 ألف شقة موزعة على 60 برجاً كل منها بارتفاع 25 طابقاً باستثناء أربعة أبراج عرّفها الضبع بأنها فراشاتٌ ملكيّة بارتفاع 45 طابقاً، واسترسل في الحديث عن الفراشات الأربعة وقابليتها لتغيير لونها، ولكن حديث الضبع لم يُضف أيّ مصداقيّة، بل زاد الشكوك بعدما اكتفى بالحديث عن تاريخ عائلته ودعم الإدارة الأمريكيّة لهذه التفاهمات، من دون ذكر أيّ إنجازات عمليّة أو مشاريع سابقة.
أما الشركة الثانية التي أثيرت حولها علامات استفهام فهي Polidef التركيّة الجنسيّة، التي لا يظهر لها أيّ نشاط اقتصاديّ حقيقي في السجلات التركيّة أو الدوليّة. وبحسب خبراء، فإنها ليست أكثر من واجهة قانونية، تُستخدم لتسهيل تمرير استثمارات تركية مشبوهة بغطاء سوري أو إقليميّ، بما يوسّع من مساحة النفوذ الاقتصاديّ لأنقرة في الداخل السوريّ.
هذه الأمثلة وحدها تكفي لإبراز حجم التلاعب والخداع، فما بالك ببقية الشركات التي لم تُكشف هويتها بعد. عملياً، نحن أمام عملية إعادة تدوير لرأسمال وهميّ، يهدف إلى صناعة وهم “الانفتاح الاقتصاديّ” و”الاستثمار الدوليّ”، بينما الحقيقة أنّ المستفيدين الحقيقيين هم شخصيات نافذة تسعى لإخفاء حضورها المباشر، أو جهات خارجيّة وجدت في أسماء وهميّة مدخلاً لاختراق الاقتصاد السوريّ، في ظل غياب الرقابة والشرعيّة القانونية.
اتفاقية الطاقة بوابة الوصاية التركيّة
إذا كانت قضية الشركاتِ الوهميّة التي ظهرت في تفاهمات 19 آب 2025 قد كشفت حجمَ التلاعب والواجهة الدعائيّة في ملفِ الاستثمار، فإنّ اتفاقية الطاقة التي وُقّعت في دمشق بتاريخ 23 أيار 2025 تكشف الوجه الآخر والأكثر وضوحاً للوصاية الخارجيّة، وهذه المرة عبر قنوات رسمية ومباشرة مع الدولة التركيّة، فقد جلس وزير الطاقة في الحكومة الانتقاليّة محمد البشير إلى جانب نظيره التركيّ ألب أرسلان بيرقدار ليوقعا اتفاقاً ضخماً، وُصف في حينه بأنّه “استراتيجي”، يقضي بتزويد سوريا يومياً بـ ستة ملايين متر مكعب من الغاز الطبيعيّ وألف ميغاوات من الكهرباء، إضافةً إلى تشغيل خط الغاز الممتد من مدينة كلس التركيّة وصولاً إلى حلب.
غير أنّ هذه الأرقام التي بدت لامعة في المؤتمر الصحفي المشترك، لا يمكن فصلها عن السياق السياسيّ الأوسع. فكل متر مكعب من الغاز يدخل الأراضي السوريّة لا يعني فقط تلبية حاجة تقنية، بل هو في جوهره أداة لتوسيع الاعتماد على أنقرة وربط المنظومة الاقتصاديّة السوريّة بشبكة مصالح تركية. وبالمثل، فإنّ كل خط كهرباء قادم من الجنوب التركيّ إلى الشمال السوريّ ليس مجرد كابل لنقل الطاقة، بل خط نفوذ سياسيّ يرسّخ موقع تركيا داخل المعادلة السوريّة.
الأمر اللافت أنّ الاتفاق لم يأتِ بمعزل عن تحركات أخرى. ففي 22 أيار 2025، أيّ قبل يوم واحد فقط من التوقيع، حط وفد تركي رفيع المستوى في دمشق، والتقى رئيس المرحلة الانتقاليّة أحمد الشرع وعدداً من المسؤولين. وعلى طاولة النقاش لم تُطرح الطاقة وحدها، بل ملفات المياه والمعابر وإعادة الإعمار، ما يوضح أنّنا لسنا أمام تعاون اقتصاديّ محدود، بل أمام مشروع تركي متكامل لبناء وصاية ناعمة على سوريا، تُضاف إلى الوجود العسكري الذي تفرضه أنقرة منذ سنوات في الشمال.
وزادت الصورة التباساً بعد أسابيع قليلة، عندما أعلنت الحكومة الانتقاليّة في 2 آب 2025 بدء ضخ الغاز الأذربيجاني عبر الأراضي التركيّة بكمية مماثلة، تصل إلى 2.1 مليار متر مكعب سنوياً. لكن خبراء الطاقة أشاروا سريعاً إلى أنّ استيعاب هذه الكمية يحتاج إلى شبكة متكاملة من أنابيب الضغط العالي ومحطات التحويل ومراكز التخزين، وهي بنية تحتيّة تتطلب استثمارات تفوق 9 مليارات دولار، في وقت لم تُعلن الحكومة عن مصدر التمويل ولا عن الجدول الزمني للتنفيذ. هذا الغموض جعل الإعلان أشبه باستعراض سياسيّ وإعلاميّ يوازي في طبيعته وهم الشركات الورقيّة، لكنه يحمل خطورة أكبر كونه صادر عن دولة إقليميّة ذات مشروع نفوذ طويل الأمد.
أرقام بلا مصداقية
منذ أيار وحتى آب 2025، تراكمت أمام الرأي العام السوريّ مجموعة من الأرقام المليارية التي أُعلنت تباعاً في المؤتمرات الصحفية والتغطيات الرسمية، فمرة يُقال إن دمشق شهدت توقيع تفاهمات بمبلغ 14 مليار دولار مع شركات لم يسمع بها أحد، ومرةً أخرى يُعلن عن 6 مليارات دولار تفاهمات مع مستثمرين سعوديين في بداية آب، ثم تُضاف إليها تفاهمات بقيمة 2 مليار دولار مع شركتين غامضتين هما UBAKO وPolidef، وإلى جانب هذه “الأرصدة الورقيّة”، برزت تعهدات مرتبطة بالطاقة: ستة ملايين متر مكعب يومياً من الغاز التركيّ الموعود في اتفاقية 23 أيار، و2.1 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز الأذربيجانيّ الذي قيل إن ضخه بدأ مطلع آب. كل ذلك كان يترافق مع تقديرات فنيّة تتحدث عن ضرورة استثمار ما لا يقل عن تسعة مليارات دولار لبناء شبكة استيعاب قادرة على نقل الغاز وتوزيعه، من دون أن يُفصح أيّ مسؤول عن مصدر هذه الأموال أو عن تفاصيل تنفيذيّة مقنعة.
عند جمع هذه الأرقام، تبدو الصورة للوهلة الأولى وكأن سوريا تقف على أعتاب طفرة اقتصاديّة غير مسبوقة، أو أنّها تحولت فجأة إلى وجهة استثماريّة جاذبة في الإقليم. غير أنّ التمعن في تفاصيلها يكشف أنها مجرد فقاعات إعلاميّة، تُستخدم لتضخيم حضور حكومة انتقاليّة لا تملك أساساً حق إبرام عقود ملزمة، فالمشاريع التي يُتحدث عنها لا تسندها دراسات جدوى منشورة، ولا يوجد ما يثبت جديتها في السجلات الدوليّة أو حتى في البنية التحتيّة القائمة.
الأخطر من ذلك أنّ هذه الأرقام تُقدَّم كحقائق ثابتة بينما هي في الواقع أدوات سياسيّة ودعائيّة. الحكومة الانتقاليّة تحاول عبرها إظهار نفسها كفاعلٍ اقتصاديّ قادرٍ على اجتذاب المليارات، بينما هي في حقيقتها مجرد واجهة ضعيفة، تُستغل لتكريس وصايات إقليميّة بأدوات ناعمة. وهكذا، يجد السوريون أنفسهم في مواجهة واقع مرير: بلد يرزح تحت وطأة أزمة خانقة، لكنه يُزج في اتفاقيات مشبوهة تُبرم باسمه وتلزمه لعقود، من دون أن يكون له رأي أو تمثيل شرعيّ فيها.
ما يُسوَّق على أنّه انفتاح اقتصاديّ أو بداية لإعادة الإعمار ليس سوى إعادة إنتاج للتبعية في ثوب جديد، فالأرقام الملياريّة التي تملأ العناوين لا تُترجم إلى مصانع أو بنى تحتيّة حقيقيّة، بل تتحول إلى قيود إضافيّة تُكبّل الاقتصاد السوريّ وتجعله رهينة بيد قوى إقليميّة تتصارع على النفوذ، فيما الشعب السوريّ يبقى الخاسر الأكبر.
الحقيقة إنّ سوريا ليست بحاجة لترهن اقتصادها وقرارها لصالح أيّ جهةٍ كانت، ولديها من المواردِ الماديّة والطاقات البشريّة ما يمكّنها من البدء بعمليات الإنتاج وإعادة الإعمار بقدرات ذاتيّة، ولكن على أساسِ توافقٍ ومصالحةٍ وطنيّةٍ ومشاركةٍ واسعةٍ من كلِّ الأطيافِ السوريّةِ، ولهذا تؤكد الإدارة الذاتيّة في شمال وشرق سوريا في كلّ مبادرة للحوارِ على التوزيعِ العادلِ للثروات والشراكةِ على كلّ المستوياتِ. وحينها فإنّ اتفاقٍ اقتصاديّ مع أيّ دولةٍ سيقوم على أساسِ نديّة العلاقة وحفظ القرار الوطنيّ وصيانة السيادة.
No Result
View All Result