No Result
View All Result
نامق تان (سفير سابق لتركيا في واشنطن)
الترجمة: باقي حمزة
بينما نتطلع إلى شمالنا وجنوبنا، علينا أن نكون في غاية الرصانة وبُعد النظر والعقلانية. من المشكوك فيه مدى الرصانة وبُعد النظر والعقلانية التي يمكن أن يتمتع بها المرء في ظل هذا النظام الفردي، مع وزير خارجية ذو تعليم متقلب مشكوك في صحته، يُعطي الأولوية للأيديولوجيا على الاستراتيجية؛ وهيكل قيادة القوات المسلحة الذي يعتمد بشكلٍ متزايد عادةً التقرب من أردوغان والانحياز إلى السلطة السياسية لتعزيز مسيرته المهنية؛ ووزارة دفاع تحولت إلى هيئة الأركان العامة.
أوكرانيا شمالاً وسوريا جنوباً منطقتا صراع ساخنتان، وإن اختلفت طبيعتهما. بعد عقد ونيف من الحرب الأهلية، وصلت سوريا إلى حالة هشة، أي إلى استقرار نسبي لا يزال استمراره غير مؤكد. واستمرار الحرب الروسية والأوكرانية، حيث لا تلوح في الأفق أي نهاية، وتُشكل كلتا منطقتي الصراع تحدياً لتركيا. التهديدات المُتصوَّرة من هذين الصراعين سياسية، وليست مطلقة.
بدءًا من سوريا، تحدث هاكان فيدان بلهجة بسيطة، حتى أنها أقل من المستوى الذي اعتاد عليه، ربما بسبب التوتر الذي شعر به في المؤتمر الصحفي المشترك بسبب عجزه عن إيجاد الدعم الذي يبحث عنه سوى بعض الكتّاب الموجهين. لم يكن واضحًا أي جمهور كان يخاطب.
سارعت وزارة الدفاع الوطني إلى معالجة الوضع، وأعلن متحدثها الرسمي إنها ستواصل الدفاع عن “وحدة أراضي سوريا ووحدتها الوطنية”، ولم يتضح بعد من أوكل إليها هذه المهمة المزعومة، ومتى، ويبدو إن الوزارة تجاهلت لفظ “الوطني” في اسمها، ما يوحي بأنها تتبع خطاب أردوغان “تركي، كردي، عربي…”.
مع ذلك، انصبّ غضب فيدان على تصريحات قادة قوات سوريا الديمقراطية وإدارييها وممثليها، مثل مظلوم عبدي وإلهام أحمد، الذين كثّفوا مؤخرًا مقابلاتهم الإعلامية. وأعرب عن إحباطه المتزايد عندما لم يتوافق ما رآه على الأرض مع رؤيته والرواية التي يُرجّح أنه رواها لرئيسه المباشر، أردوغان، وشعر بالحاجة إلى التأكيد، بكلماته الخاصة، على أنه ليس “أحمق”.
فيدان الذي يميل إلى اعتبار العمليات التي ينفذها البعض ضد الآخرين وفقًا لمنهجه “الاستخباراتي” المزعوم، يرد على تركها وشأنها، وهو ما يُفسر على أنه تخريب للعملية التي يُنظر إليها على إنها “يقودها” مدير جهاز الاستخبارات الوطنية إبراهيم كالين، أو على الأقل رفض للانخراط فيها. في الحقيقة، من الواضح إن “قسد” لن تُلقي السلاح كما أنه ليس من الواضح ما إذا كان هناك هيكل عسكري أو مدني في دمشق يمكن أن “تندمج” فيه قوات سوريا الديمقراطية، بينما أثارت محاولة روسيا غزو أوكرانيا، جارتنا الشمالية، جميع الحلفاء ودفعت فنلندا والسويد نحو عضوية الناتو، اختار أردوغان أن ينظر إلى السماء ويصفّر. بدا أنه لا يُقدّر بيانات قمة الناتو التي وقّعها بقدر ما يُقدّر الورق الذي طُبعت عليه، واصلت أنقرة محاولة تسويق سياساتها غير المقروءة “ذات الأذرع الأربعة” على إنها “سياسة توازن”.
وكأن الاعتماد الشديد على روسيا في إمدادات الطاقة لم يكن كافيًا، فقد سُلّمت محطة أكويو النووية إلى بوتين على طبقٍ من فضة. لم تُفسَّر فضيحة إس-400 حتى يومنا هذا، ولم يُفلح أي مخرج من هذا المأزق الذي حفره بنفسه. السبيل الوحيد للخروج هو مجاراة ترامب في كل قضية وشراء طائرات يوروفايتر كوسيلة لتسوية الوضع.
يحاول ترامب، الذي يسعى الآن للفوز بجائزة نوبل للسلام، التوسط لوقف إطلاق نار سريع عبر الضغط على زيلينسكي وحلفائه الأوروبيين (رغم إعلان اتفاقهم في مؤتمر فيديو مشترك قبل أيام)، ويهدد بوتين بعقوبات اقتصادية ثانوية وزيادة الدعم العسكري لأوكرانيا. كما يحاول زيلينسكي وحلفاؤه الأوروبيون إقناعهم بالاعتراف بسيادة روسيا على الأراضي المحتلة مقابل تجميد خطوط الصراع الحالية.
التقى الزعيمان لمدة ثلاث ساعات في ألاسكا، وكان لكلٍّ منهما وفد من ثلاثة أشخاص، ورغم عدم التوصل إلى نتائج ملموسة هذه المرة، فمن غير المرجح التوصل إلى تسويةٍ بناءً على مقترحات ترامب. وإذا تحققت، فسيكون الجانب الإيجابي هو وقف الصراع، بينما سيكون الجانب السلبي هو إضفاء الشرعية على التغييرات الحدودية القسرية (حتى في أوروبا!). بعد ذلك، ستحتاج أوكرانيا إلى حل قضايا مثل اكتساب القوة العسكرية اللازمة للدفاع عن أراضيها المتبقية، وتعزيز سيادتها، والتقدم نحو عضوية الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
إن الادعاءات بأن سوريا تُشكل تهديدًا وجوديًا لتركيا، وإن هذا “السياق الخارجي” الساحر أو “التطورات الإقليمية” تُشكل السياسة الداخلية بقوة، هي ادعاءات باطلة تمامًا. الحقيقة هي أن سوريا مُعرّضة للانفجار في أي لحظة، لقد انتهت الحرب الأهلية، لكن الحساب الذي يجب تسويته، والبارود الذي يجب إطلاقه، لم ينتهِ بعد. لا أزعم أن هذا هو الخيار الوحيد، لكنني أؤكد أن هذا السيناريو الكارثي من بين الاحتمالات القوية. أُذكّركم بأنه إذا كان هناك أي سلوك مُتقلب في إدارة الدولة، فيجب توخي الحذر.
بفضل دعم قوات التحالف، تبدو قوات سوريا الديمقراطية أقوى وأكثر تنظيمًا من القوات التابعة لدمشق من حيث التسليح والأفراد، ودعم قوات التحالف كونها شريك أساسي فيها، وقد تأكدت حقيقة إن قوات دمشق لا تخضع لمركز قيادة وتحكم واحد من خلال المجازر التي ارتُكبت بحق العلويين العرب في المنطقة الساحلية والدروز في المنطقة الجنوبية المحاذية لإسرائيل.
علاوةً على ذلك، فإن استعادة قدرة الدولة لا تزال في مرحلة مبكرة للغاية، وسوريا لا تملك ثروة من الموارد الطبيعية تضاهي تلك التي يملكها العراق المجاور، أي ثروة “ذات حجم غير قابل للتجزئة”.
في حين لا يوجد بديل في الأفق، فإن عجز الشرع عن ترسيخ شرعيته لدى الشعب السوري بأكمله، وحدود رؤيته، واضحان. تحاول أنقرة منع فرنسا تحديدًا، والولايات المتحدة (واثقةً بضعف ترامب) من التدخّل. إن نهج فيدان “التخريبي” أو “التدخلي” تجاه سوريا، والذي ناقشتُه سابقًا يتناقض مع موقف كالين التفاوضي، يضرّ حتمًا بـ “العملية” المحلية وخطوات اللجنة.
لذا، فإن استغلال اتفاقية التدريب والتجهيز الموقّعة مع دمشق لخوض حرب بالوكالة مع قوات سوريا الديمقراطية يخالف العقل، بل وحتى المنطق السليم؛ إنه احتمال يُثير تناقضًا. فبينما تعتقد أنقرة أنها اللاعب الوحيد أو الضروري في المنطقة، فإن الانهيار الاقتصادي المستمر منذ ثماني سنوات، والتداخل بين مختلف الملفات، وترابطها، يحول دون انعكاس الوحشية التي ترسخت للأسف داخل البلاد على الخارج.
بالعودة إلى الشمال، فإن الفشل في التوصل إلى توافق في ألاسكا خلال هذه الجولة الأولى، وقرار ترامب بتأجيل فرض العقوبات على الصين بسبب إمدادات النفط الروسية لبضعة أسابيع، لا يعني أن أوكرانيا ستتحول تلقائيًا إلى فنلندا جديدة في زمن الحرب الباردة، ولا يعني أيضًا عدم وجود خيارات أخرى. من المتوقع أن يحث ترامب زيلينسكي وحلفاءه الأوروبيين على التحلي، من وجهة نظره، “بالواقعية” أثناء مراقبة موقف بوتين بعد القمة.
No Result
View All Result