No Result
View All Result
تحمل عملية إنعاش القرار الأمميّ 2254 في طياتها دلالات عديدة، إذ لطالما كان حبيس الأدراج لسنوات وكان يشار إليه استثنائيّاً رغم أنّه جسّد حالة إجماعٍ دوليّ لحل الأزمة السوريّة، وقدّم خريطة طريقة واضحة للانتقال السياسيّ؛ تتضمن إجراءات حرة ونزيهة، وجاءت عملية الإنعاش بعد التداعيات الخطرة لأحداث السويداء وقبلها ما جرى في الساحل، وتزامن مع قرع نواقيس الخطر من استمرار التهديد الإرهابيّ.
رامان آزاد
القرار 2254 إلى الواجهة
وفي بيان رئاسيّ صدر الأحد 10/8/2025، أدان مجلس الأمن الدوليّ بقوةٍ أعمال العنف التي ارتكبت بحق المدنيين في السويداء وشملت عمليات قتل جماعيّ وفقدان الأرواح، وأدت لنزوح نحو 192 ألف شخص داخليّاً، وأشار مجلس الأمن إلى قراره 2254 لعام 2015 وبيانه الرئاسي (S/PRST/2025/4) وبيانه الصحفيّ الصادر في 17/12/2024، وجدد التأكيد على التزامه القوي بسيادةِ سوريا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها، وأهاب بجميع الدول أن تحترم تلك المبادئ.
ودعا مجلس الأمن إلى تنفيذ عملية سياسيّة شاملة للجميع يقودها السوريون ويمسكون بزمامها، استناداً إلى المبادئ الرئيسيّة الواردة في القرار 2254، ويشمل ذلك حماية حقوق السوريين كافة، بغضِّ النظرِ عن انتمائهم العرقيّ أو الدينيّ، وشدد على ضرورة أن تلبي هذه العملية السياسيّة التطلعات المشروعة للسوريين قاطبة وأن تحميهم جميعاً وتمكّنهم من تقرير مستقبلهم على نحو سلميّ ومستقل وديمقراطيّ. كما جدد مجلس الأمن التأكيد على أهمية دور الأمم المتحدة في دعم عملية الانتقال السياسيّ في سوريا وفق المبادئ التي ينصّ عليها القرار 2254، وكرر الإعراب عن دعمه لجهود مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة في هذا الصدد.
قال المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، غير بيدرسن في إحاطة أمام مجلس الأمن، الخميس 21/8/2025، إنّه وسط وقف إطلاق النار المتوتر والمناوشات العسكريّة في سوريا، فإنّ الانتقال السياسيّ “لا يزال على حافة السكين”. وقال بيدرسن: أدى العنف الطائفيّ في تموز إلى اندلاع صراع في العاصمة دمشق”، وأضاف: “ما زلنا نشهد أعمال عدائيّة ومناوشات خطيرة على أطراف السويداء، وقد تستأنف أعمال العنف في أيّ لحظة”.
وقال: “إن السوريين يحتاجون إلى الشعور بأنّ هذا التحول ليس سلسلة من الترتيبات المؤقتة والمؤسسات المعزولة، بل هو مسار واضح وشامل، يقوم على الشمول والشفافية، لتنفيذ مبادئ القرار 2254”.
وأشار المبعوث إلى أن نجاح العملية الانتقالية في سوريا يتوقف على الشفافية، داعياً إلى برنامج شامل لإصلاح القطاع الأمني ونزع السلاح، مع التحذير من الخطر الجسيم الذي يمثله المسلحون الأجانب.
كما حذّر المبعوث الأمميّ الخاص إلى سوريا من أنّ المسلحين الأجانب يشكّلون خطراً جسيماً يهدد العملية الانتقاليّة، داعياً إلى إصلاح أمنيّ شامل ونزع السلاح، باعتبارهما شرطين أساسيين لنجاح أيّ مسار سياسيّ شفاف، وأوضح غير بيدرسن أنّ حالة الهدوء النسبيّ التي تعيشها البلاد لا تعني استقراراً دائماً، مؤكّداً أنّ خطر اندلاع العنف ما يزال قائماً في ظل غياب تدابير حقيقية لبناء الثقة.
في 22/12/2016 تم إعلان مدينة حلب خالية من المسلحين، ضمن توافقٍ روسيّ إيرانيّ تركيّ، “وفق صيغة حلب مقابل الباب” الأمر الذي قاد إلى ولادة منصة أستانة التي عقدت أولى اجتماعاتها في 23/1/2017، ومنحت هذه المتغيّرات الميدانيّة والسياسيّة إلى إحالة القرار الأمميّ 2254 إلى الأدراج، وعملت ترويكا أستانة على إنشاء مناطق خفض التصعيد وتبادل التفاهمات حول توزع النفوذ.
تحذير أممي من الإرهاب
حذّر تقرير أمميّ صدر الأربعاء 20/8/2025 من إنّ “داعش” لا يزال نشطاً في العراق وسوريا رغم مقتل عدد من متزعميه، مشيراً إلى أنّه يستغل الهشاشة الأمنية في سوريا بعد وصول “هيئة تحرير الشام للسلطة” لتجنيد مرتزقة جدد وإعادة تنظيم صفوفه، وذكر التقرير بأن “داعش خراسان” ما يزال يشكّل تهديداً بارزاً لدول آسيا الوسطى، وتم تسجيل زيادة ملحوظة في نشاط داعش في منطقة الصحراء الكبرى وغرب إفريقيا.
جاء ذلك في جلسة استماع في مجلس الأمن الدوليّ، للتقرير نصف السنوي لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب حول التهديدات المتصاعدة التي يشكّلها داعش على السلم والأمن الدوليين، وحذّرت المنظمة من قدرة داعش على التكيّف وتغيير أساليبه، مستفيداً من حالة عدم الاستقرار في عدد من المناطق، لا سيما أفريقيا وسوريا.
وقال التقرير إنّه في سوريا: “لا يزال الوضع هشاً منذ سيطرة هيئة تحرير الشام على البلاد، ويواصل داعش استغلال الثغرات الأمنية، والانخراط في عمليات سرية، وإثارة التوترات الطائفية في البلاد”.
ما هو القرار 2254؟
صدر القرار 2254 عن مجس الأمن الدوليّ في 18/12/2015، متضمناً 16 بنداً لإيجادِ حل للصراع في سوريا، وتحقيق انتقال سياسيّ، وأكد القرار تأييد بيان جنيف المؤرخ 30/6/2012، وتأييد بياني “فيينا” في إطار السعي إلى كفالة التنفيذ الكامل لبيان “جنيف”، كأساسٍ لانتقال سياسيّ بقيادة سوريّة وفي ظل عملية يمتلك السوريون زمامها لإنهاء النزاع في سوريا، وشدد على أنّ الشعب السوري هو من يقرر مستقبل بلده. ويدعو القرار ممثلي النظام السوريّ والمعارضة للدخول في مفاوضات رسميّة بشأن عملية انتقال سياسيّ، وحدد مطلع كانون الثاني 2016 موعداً لبدء المحادثات، عملاً ببيان “جنيف” وتماشياً مع بيان الفريق الدولي المؤرخ في 14/11/2015، للتوصل إلى تسوية سياسيّة دائمة للأزمة.
ويدعم القرار إجراء عملية سياسيّة بقيادة سوريّة تيسرها الأمم المتحدة وتقيم خلال فترة ستة أشهر، حكماً ذا مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفيّة، وتحدد جدولاً زمنيّاً وعملية لصياغة دستور جديد، ويعرب كذلك عن دعمه لانتخابات حرّة ونزيهة تجرى، عملاً بالدستور الجديد، في غضون 18 شهراً بإشراف الأمم المتحدة، بما يستجيب لمتطلبات الحوكمة وأعلى المعايير الدوليّة للشفافية والمساءلة، وتشمل جميع السوريين الذين تحق لهم المشاركة، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون في المهجر، على النحو المنصوص عليه في بيان الفريق الدولي المؤرخ في 14/11/2015.
كرر القرار الدعوة الواردة في القرار “2249” الصادر في 20/11/2015 والموجهة إلى الدول الأعضاء لمنع وقمع الأعمال الإرهابية التي يرتكبها على وجه التحديد “داعش” و”جبهة النصرة”، وسائر الأفراد والجماعات والمؤسسات والكيانات المرتبطة بتنظيم “القاعدة” أو “داعش” وغيرها من الجماعات الإرهابية، على النحو الذي يعينه مجلس الأمن، وإذ دعا القرار لوقف إطلاق النار والحاجة إلى آلية رصد لوقف إطلاق النار والتحقق منه، كان لافتاً ذلك لن يطبق على الأعمال الهجوميّة أو الدفاعيّة التي تنفذ ضد هؤلاء الأفراد والجماعات والمؤسسات والكيانات، على النحو المنصوص عليه في بيان الفريق الدوليّ لدعم سوريا الصادر في 14/11/2015، وأكد الحاجة الماسة إلى تهيئة الظروف المواتية للعودة الآمنة والطوعية للاجئين والنازحين داخليّاً إلى مناطقهم الأصليّة وتأهيل المناطق المتضررة، وفقاً للقانون الدوليّ.
الدم أنعش القرار الأمميّ
ليس مفاجئاً المطالبة الجديدة بتطبيق القرار “2254”، وقد قاد المبعوث الأمميّ غير بيدرسون طرح المسألة في الأسبوع الأول لسقوط النظام وذلك خلال اجتماع العقبة الذي انعقد في 14/12/2024، وذلك للمحافظة على دور أمميّ في العملية السياسيّة بسوريا، ورفضت سلطات دمشق الطرح، وقالت إنّ القرار يتضمن عملية تفاوض مع النظام، ومع سقوط النظام فقد القرار مبرراته، ولكن التفاوض يشكّل جزئيّة من القرار فيما مسائل التشاركيّة السياسيّة وإجراء الانتخابات وصياغة الدستور ومحاربة الإرهاب عناوين تحرج سلطات دمشق.
بيان مجلس الأمن الأخير لم يؤكد على وحدة وسيادة سوريا وحسب، بل كانتِ الدعوةُ صريحةً إلى عمليةٍ سياسيّةٍ تحمي حقوقَ جميعِ السوريين بمختلفِ انتماءاتهم، وتفتحُ الطريقَ أمام صياغةِ مستقبل يقوم على التعدديّة والديمقراطيّة، وجاء هذا التذكير بالقرار بعد نقاشاتٍ في الأروقةِ الدوليّة منذ سقوط النظام، والأخذ بالاعتبار تغير السياق السياسيّ، ولم يلغِ سقوط النظام الحاجة إلى إطارٍ سياسيّ جامع، بل إنّ حالة الفوضى والأحداث الدمويّة وتنامي مشاعر الخوف لدى السوريين زادتها إلحاحاً.
بالمجمل؛ فإنّ طرح القرار اليوم يؤكد بوضوح أنّ تداعيات ما حدث في الساحل السوريّ ومن بعده في جرمانا وصحنايا ومن بعدهما أحداث السويداء أدت إلى زيادة الحذر وتحفظ الدول المؤثرة على مستقبل العملية السياسيّة، في ضوء ما تعدُّه العديد من الأطراف استحواذ هيئة تحرير الشام الكامل على السلطة وانفرادها بالحكم. الأمر الذي جعل كلاً من الأمم المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة تدفع باتجاه عودة القرار “2254”، بموازاة مطالب طيفاً كبيراً من السوريين بحماية الشعوب في سوريا بمختلف أعراقهم وأديانهم.
ووفق المرصد السوريّ لحقوق الإنسان؛ فإنّ إجمالي عدد الضحايا في السويداء، منذ 13 تموز الماضي بلغ 1709 أشخاص، بينهم 484 مدنيّاً أعدموا ميدانيّاً على يد قوات الحكومة الانتقاليّة في سوريا ومسلحين موالين لها.
عمليّاً؛ فإنّ إعادة طرح القرار يعدُّ رسالة من المنظومة الدوليّة إلى سلطات دمشق، وحتى وإنّ كانت الصيغة الحرفيّة للقرار هي محل النقاش، ولكنه يؤكد الحاجة إلى دورٍ أمميّ خلال المرحلة الانتقاليّة. ويعكس زيادة من انفلات الأوضاع الأمنيّة في العديد من المناطق، بالتزازي مع التخوف من احتكار السلطة، الأمر الذي سيؤدي إلى إعادة إنتاج مفردات الأزمة، وبذلك فإنّ طرح القرار محاولة لفرض شكلٍ من التوازن السياسيّ ويمنع أيّ طرف من الاستئثار الكامل.
ومن المحتمل أنّ يطرأ شيء من التعديل على صيغة القرار ليتوافق مع مقتضيات الواقع ويكسبه مزيداً من مرونة التطبيق، ويضفي عليه طابعاً عمليّاً مع التركيز على مسألتي الانتخابات وصياغة دستور سوريّ جديد. والجانب العمليّ يفرض على الأمم المتحدة تحديد جدول زمنيّ واضح ووضع حداً للمماطلة، الذي يفتح المجال للتدخل الخارجيّ.
وفيما تصف سلطات دمشق وحاضنتها إلى القرار على أنّه شكلٌ من الوصاية تحاول أطراف دوليّة فرضها عليها، فإنّ القرار بالنسبة لبقية السوريين يعد سفينة النجاة وضمانة لحقها بالمشاركة بالسلطة، بينما هدف الأمم المتحدة أن تكون العملية السياسيّة في سوريا تحت مظلة أمميّة.
أبدت السلطات في دمشق تحفظاً على القرار، بحجة أنه جاء في سياق تفاوضيّ مع النظام الذي سقط. وترى أنّه يمثل “وصاية دوليّة” لا تتناسب مع الواقع الجديد. بالمقابل، تعتبر أطراف داخلية، خصوصاً الأقليات، أن القرار ضمانة لمشاركتها السياسيّة ومنع احتكار السلطة. والحقيقة أنّ الحرج يكمن في مضمون القرار الذي يدعو إلى محاربة الإرهاب ممثلاً بداعش وجبهة النصرة.
سوريا تحت المجهر الدوليّ
الطرح الأمميّ للقرار 2254 في هذه الظروف بالتوازي مع التحذير من خطر الإرهاب يعني إعادة التذكير بتنفيذ المبادئ الرئيسية من القرار والمتمثلة بمكافحة الإرهاب ووقف الانتهاكات، والحوكمة، وتوسيع المشاركة الوطنيّة وإجراء انتخابات حرة بإشراف الأمم المتحدة، والمحافظة على وحدة سوريا وسيادتها ووقف التدخلات الخارجيّة، وجملة هذه المبادئ مطلوب تطبيقها بصرف النظر عن وجود النظام أو سقوطه.
من نافلة القول إنّ الموقف الأمميّ في توقيته وظروفه يؤكد أن سوريا ما زالت تحت المجهر الدوليّ وأنّ الانفتاح على سلطات دمشق لا يعني الإقرار الكامل بشرعيتها وهو رسالة ضمنيّة مفادها أنّ المجتمع الدوليّ ما يزال يرى الحلّ في سوريا مرتبطاً بمسار تفاوضيّ أوسع، يتضمن جميع الأطراف ويستند إلى معايير الشرعيّة الدوليّة، وأنّ أيّ محاولة لإنتاج صيغة حكم دائمة أو فرض وقائع نهائيّة خارج هذا الإطار ستواجه تحدّياً في نيل الاعتراف والدعم الخارجيّ.
ويمكن ترجمة بيان مجلس الأمن إلى سلسلة أدوات ضغط غير مباشرة على سلطة دمشق الانتقاليّة، وأولها إعادة ربط أيّ مسار للاعتراف الدوليّ أو تقديم الدعم الاقتصاديّ بمدى التزام السلطة بمضمون القرار 2254، بما في ذلك الانخراط في عملية سياسيّة جامعة لا تستبعد القوى والتيارات التي ما زالت خارج المشهد الحالي. لا بل إنّ تكرار الإشارة إلى القرار 2254 يوفّر غطاءً دبلوماسياً للدول الفاعلة الراغبة بالضغط على سلطة دمشق، سواء عبر آليات العقوبات أو وضع شروط مقابل الدعم الماليّ وإعادة الإعمار، ما يجعل أيّ انفتاح اقتصادي أو سياسيّ مقترناً بالتقدم الفعليّ في المسار السياسيّ المتوافق عليه دولياً انطلاقاً من القرار الأمميّ، كما أنّ إعادة إنعاش القرار يمنح فاعليّة أكبر لدور المبعوث الأممي، في مراقبة خطوات سلطة دمشق الانتقاليّة ومدى التزامها بالمعايير الأمميّة، لتحدّ من قدرتها على فرض نموذج سلطة أحاديّة.
No Result
View All Result