No Result
View All Result
رامان آزاد
لا تقتصر الأزمة في سوريا على واقع الفوضى الأمنيّة وعدم التوافق السياسيّ بعد سقوط النظام، بل تتعداها إلى أزمة غذائيّة حادة في ظل ظروف الجفاف وانحباس الأمطار وتراجع الوارد المائيّ، لتواجه بذلك أسوأ موجة جفاف منذ ستة عقود 60 عاماً، مترافقةً مع سلسلةِ حرائقَ غير مسبوقة طالت آلاف الهكتارات من الغابات المعمرة وبساتين الزيتون والحمضيات في مناطق الساحل السوريّ وجبال اللاذقية ومصياف بحماه وطرطوس، ما تسبب تداعيات اقتصاديّة وإنسانيّة كبيرة في تلك المناطق وعموم سوريا.
جفاف تاريخيّ
نشرت وكالة رويترز تقريراً في 18/8/2025 بعنوان “الجفاف التاريخيّ ونقص القمح يشكلان اختبارا للقيادة الجديدة في سوريا” وذكر التقرير أنّ سوريا تواجه أزمة غذائيّة محتملة بعدما أدّى أسوأ جفاف منذ 36 عاماً إلى خفض إنتاج القمح بنحو 40%، ما يضغط على الحكومة التي تعاني من نقص السيولة والتي لم تتمكن من تأمين مشتريات واسعة النطاق.
وقال برنامج الأغذية العالميّ التابع للأمم المتحدة لرويترز في إجابات مكتوبة على أسئلة دون أن يحدد إطاراً زمنيّاً إنّ نحو ثلاثة ملايين سوريّ قد يواجهون الجوع الشديد. وأضاف أنّ أكثر من نصف السكان البالغ عددهم نحو 25.6 مليون نسمة يعانون حالياً من انعدام الأمن الغذائيّ.
وتحدثت رويترز مع مسؤول سوري وثلاثة تجار وثلاثة عمال إغاثة ومصدرين في الصناعة على دراية مباشرة بجهود شراء القمح، والذين قالوا إن هناك حاجة لمزيد من الواردات والتمويل لتخفيف النقص الوشيك.
قال مسؤول حكوميّ سوريّ، طلب عدم الكشف عن هويته، إنّ الحكومة الجديدة اشترت 373,500 طن فقط من القمح من المزارعين المحليين هذا الموسم. وهذا يُمثل حوالي نصف كمية العام الماضي. وأضاف المصدر أن الحكومة تحتاج إلى استيراد نحو 2.55 مليون طن هذا العام.
موجة حر وأزمة مياه الشرب
حسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانيّة (أوتشا) في سوريا، فإنَّ نحو عشرة ملايين سوريّ يكافحون بالفعل لتلبية احتياجاتهم الأساسيّة من المياه، ويرجح أن يتأثر ما لا يقل عن 16.2 مليون سوريّ بتداعيات الظروف الشبيهة بالجفاف على إنتاج القمح في البلاد. ويُعدّ هذا الوضع “ضربة قاسية ومدمرة للسوريين، الذين ما زالوا يعانون من آثار أكثر من 14 عاما من الصراع” بحسب (أوتشا).
ويرى العلماء ومنهم زينتا زومرز، كبيرة علماء تغير المناخ في (أوتشا)، أنَّ التغيّر المناخيّ في سوريا وحوض المتوسط أدّى إلى تحول في المناخ إلى درجة أنّه أصبح يميل إلى “الظروف الشبيهة بالجفاف”، ما دفع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر إلى إدراج منطقة البحر الأبيض المتوسط كنقطةٍ ساخنةٍ للجفاف. وتوقعت الاتفاقية أن ينخفض توافر المياه بنسبة تتراوح بين 2 -15% لكلّ درجتين مئويتين من الاحترار في البحر الأبيض المتوسط، وأدرجت أجزاء من سوريا بين البلدان التي من المرجّح أن تصبح أكثر جفافاً وتشهد صحراء متوسعة.
وبحسب دراسة أُجراها عام 2024 المرصد العالميّ للطقس World Weather Attribution فإنّ تغيّر المناخ الناجم عن أنشطة الإنسان يفاقم من احتماليّة حدوث موجات حر في المنطقة بمرتين. وتشير الدراسة أيضاً إلى أنّ أزمة المناخ ستجعل موجات الحر هذه أطول وأكثر تواتراً وتطرفاً.
وكانت نسبة الهطولات المطريّة قد تراجعت في وشهدت البلاد انحباساً للأمطار خلال عام 2025 بنسبٍ خطيرةٍ، ولم يتجاوز معدل سقوط الأمطار للموسم الحالي 25% من المعدل العام السنويّ.
كما شهد صيف سوريا للعام 2025 أقسى موجة حر تعرفها البلاد ولامست درجات الحرارة في معظم أرجاء سوريا باستثناء الساحل 45 درجة مئوية ولمدة عشرة أيام تقريباً، وتناقلت وسائل الإعلام صوراً لجفافِ نهر العاصي للمرة الأولى في تاريخه. وينبع النهر من جبال لبنان ويتجه شمالاً إلى حمص وحماه وريف إدلب ليصبَّ في البحر المتوسط.
وعلى مدى السنوات الماضية تراجعت نسب تدفق نهر الفرات بسبب خفض دولة الاحتلال التركيّ حصة سوريا والعراق من الوارد المائيّ، في إطار سياسة الضغط والحرب على شعوب المنطقة، ومازالتِ الأزمة عالقة، وقد عمدت أنقرة إلى بناء عدد كبير من السدود الضخمة على مجرى النهر. وينذر خفض الوارد المائيّ بتداعيات اقتصاديّة وخروج مساحات كبيرة من خطط الزراعة وكذلك بمخاطر بيئيّةٍ كبيرةٍ ونقصٍ حاد في توليدِ الطاقةِ الكهربائيّة ما سيكون له تداعيات أوسع على مجمل الحياة العامة.
وفي دمشق أعلن مدير مؤسسة المياه أحمد درويش عن انخفاض غير مسبوق بمستوى نبع الفيجة الذي يمد مدينة دمشق بالمياه، ما دفعها لوضع وبرامج تقنين حادة لمياه الشرب والدعوة إلى ترشيد استهلاك المياه. وبحسب درويش فقد انخفضت نسبة الأمطار على حوض نبع الفيجة إلى 33%، وإلى 24% على حوض دمشق، مقارنة بمتوسط الهطول السنويّ المسجل في سجلات المؤسسة منذ عام 1956. وأفاد بأنّ خروج عدد كبير من المحطات والآبار عن الخدمة فاقم الأزمة، وأعلنت المؤسسة عن وضع جدول تقنين جديد يتيح تخزين كميات أكبر لضمان وصول المياه لأطول فترة ممكنة، خصوصًا للمناطق البعيدة عن مراكز الضخ. وأوضح أن غزارة نبع الفيجة تبلغ حالياً 1.6م3/ثا وغزارة نبع بردى 1,2 م3/ثا أما نبع حاروش فتـبلغ 0.5م3/ثا؛ بينما يبلغ احتياج مدينة دمشق وريفها المحيطي المستفيد من شبكتها 6.5 م3/ثا.
نقصٌ مروعٌ في إنتاج القمح
الضربة الأقسى التي تلقتها سوريا جراء موجة الجفاف كانت في القطاع الزراعيّ وتلف المحاصيل الزراعيّة وعلى رأسها محصول القمح الاستراتيجيّ في البلاد، وقد حذرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة الفاو من أنّ الجفاف الذي طال مناطق واسعة يشكّل خطراً على الأمن الغذائيّ لملايين السوريّين. وفي 27/6/2025 وصفت “الفاو” الظروف المناخية القاسية التي يشهدها الموسم الزراعيّ الحالي في سوريا بأنها “الأسوأ” منذ ما يقرب من 60 عاماً.
وقالت مساعدة ممثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في سوريا هيا أبو عساف لوكالة فرانس برس إنّ نحو 75% من المساحات المزروعة في سوريا والمراعي الطبيعيّة لإنتاج الثروة الحيوانيّة تضررت، بما في ذلك نحو 2.5 مليون هكتار من القمح تضررت بسبب الظروف الجويّة القاسية.
وذكرت هيا أبو عساف أنَّ سوريا شهدت شتاءً قصيراً وانخفاضاً في معدلات هطول الأمطار، ما أدّى إلى تضرر نحو 95% من القمح البعليّ، في حين من المتوقع أن يكون إنتاج القمح المروي أقل بنسبة 30% إلى 40% عن المعدل الطبيعي، بحسب مؤشرات منظمة الأغذية والزراعة.
وتشير تقديرات “الفاو”، إلى أنّ ظروفَ الجفاف الشديدة أثّرت على 25 ألف كم2، من الأراضي المزروعة في المحافظات العشر الأكثر تضرراً، والتي تُعد أيضاً مناطق زراعيّة رئيسية حيث لم يُزرع سوى 40% من الأراضي الزراعيّة المخطط لها، وفشلت معظم المحاصيل. كما تنهار النظم الرعويّة. ويضطر الرعاة الآن إلى تقليل حصصهم الغذائيّة، أو بيع ماشيتهم، أو التخلّي عن تنقلهم الموسميّ للماشية. ونتيجة لذلك، ترتفع أسعار الحليب واللحوم، ما سيؤثر على انعدام الأمن الغذائيّ.
من أن العجز في إنتاج القمح قد يصل إلى ما بين 2.5 إلى 2.7 مليون طن، مما يعرض 16.3 مليون شخص في سوريا.
وفي تقرير صدر في حزيران، قدّرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أنّ سوريا تواجه عجزاً في القمح يبلغ 2.73 مليون طن هذا العام، أو ما يكفي لإطعام نحو 16 مليون شخص لمدة عام. وحذرت المنظمة من خطر انعدام الأمن الغذائي هذا العام، وتوقعت أن يجبر هذا سوريا على الاعتماد على الاستيراد.
وبحسب التقديرات الرسمية السوريّة؛ فإن كمية القمح التي استلمتها مؤسسة الحبوب لموسم عام 2025 بلغت 291 ألف طن قمح من كافة المحافظات السوريّة، وهو لا يكفي سوى بضعة أشهر للاستهلاك المحلي الذي يقدر بـ 2.5 مليون طن سنوياً، كما يشكل تراجعاً كبيراً عن معدل الإنتاج السنوي الذي بلغ عام 2010 نحو 4 ملايين طن.
ونقلت رويترز عن مسؤول حكوميّ سوريّ انّ الحكومة اشترت 373.5 ألف طن فقط من القمح المحليّ هذا الموسم، بينما تحتاج سوريا إلى استيراد نحو 2.55 مليون طن لتلبية الطلب المحليّ. وأوضحت “رويترز”، أنّ الحكومة لم تُعلن عن أيّ صفقات استيراد كبيرة، وتعتمد فقط على شحنات صغيرة من القطاع الخاص لا تتجاوز 200 ألف طن.
ومن روسيا وصلت في نيسان 2025، سفينة محملة بـ 6600 طن من القمح إلى ميناء اللاذقية، وشحنة أخرى إلى طرطوس. وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، استلمت سوريا أيضًا الدفعة الأولى من منحة قمح قدرها 220 ألف طن من العراق. وصرح القائم بالأعمال في السفارة العراقية بدمشق ياسين شريف الحاجم، بأن المنحة خُصصت أصلًا خلال عهد الأسد، لكنها تأخرت أربعة أشهر بعد إقالته، ولم تُستأنف إلا بعد استقرار الوضع السياسيّ.
الحرائق تلتهم غابات وأراضي زراعيّة
ترافقت موجات الحر الشديدة الناجمة عن التغير المناخيّ بسلسلة حرائق غير مسبوقة بدأت مطلع تموز الماضي، وطالت مناطق واسعة في ريف اللاذقية وأسفرت بحسب وزارة الزراعة الحكومة الانتقاليّة عن تضرر أكثر من 14 ألف هكتار من الغابات والحراج والأراضي الزراعيّة.
وبحسب بيانات الوزارة فقد كان نصيب الغابات والحراج من الحرائق النسبة الأكبر من الضرر، والتهمت النيران نحو 11.5 ألف هكتاراً من الغابات والأراضي الحراجية، وجاءت الأراضي الزراعيّة ثانياً، حيث تضرر نحو 2.1 هكتار والباقي أراضي عمرانية. ورغم تدخل دول الجوار (تركيا والأردن ولبنان وقبرص) في المساعدة على إطفاء الحرائق، استمرت على مدى 12 يوماً.
وفي 11/8/2025 تجددت الحرائق وشهدت محافظات حماه واللاذقية وطرطوس حرائق واسعة هي الأسوأ على الإطلاق مترافقة مع درجات حرارة عالية تجاوزت 40 درجة، وأدّت هذه الحرائق إلى التهام مساحات واسعة من الحراج الجبليّة في ريف مصياف بمحافظة حماه وريف اللاذقية وطرطوس على الحدود الإدارية مع محافظة حماه. كما أدت الحرائق أيضاً في بعض المناطق إلى أضرار واسعة في الحقول والمنازل وتهجير عشرات العائلات من مناطقهم، وسط جهود أهليّة وشعبيّة ورسميّة لإخماد الحرائق.
وفي مبادرة وطنيّة أعلنت الإدارة الذاتيّة في شمال وشرق سوريا عن تسيير قافلة دعم من سيارات الإطفاء (18 سيارة إطفاء وسيارتي إسعاف) للمساهمة في إخماد الحرائق، إلا أنّه لم يسمح لها بالعبور بعد يومين من الانتظار، وعبر اتحاد بلديات مناطق الإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا الإثنين عن عودة قافلة سيارات الإطفاء، وعبر عن الأسف لذلك ودعا الاتحاد إلى تجاوز الخلافات السياسيّة عندما تقع الكوارث الطبيعيّة مشدداً على وحدة الشعب السوريّ.
بالمجمل؛ فإنّ سوريا التي خرجت للتو من عُمق حقبةٍ طويلةٍ من الاستبدادِ والفسادِ والتهميشِ تحتاجُ لتوافقٍ وموقفٍ وطنيّ جامعٍ لتتمكن من مواجهةِ كلّ الأزمات والتحديات السياسيّة والأمنية والاقتصاديّة، ولن يتوفر الأمن الغذائيّ إلا في بيئةٍ مستقرةٍ آمنةٍ.
No Result
View All Result