زاوية بصمة امرأة ـ حنان عثمان
في عصر التحوّل الرقمي، تحوّلت وسائل التواصل الافتراضي إلى مساحة للتعبير والتواصل، لكنّها في الوقت نفسه باتت ساحة خصبة لممارسات عنف جديدة تستهدف النساء والفتيات. هذا العنف الرقمي يتخذ أشكالاً متعددة، من التنمّر والتحرش الإلكتروني، إلى التهديد والابتزاز بنشر صور أو معلومات شخصية. ما يجعل هذه الظاهرة خطيرة، أنها غالباً ما تجري في الخفاء، بعيداً عن أعين المجتمع والأسرة، فتترك الضحايا في عزلة تامة، يتفاقم معها الألم النفسي حتى يصل أحياناً إلى الانتحار.
في منطقتنا، يزداد واقع العنف الرقمي قسوةً بسبب البنى الاجتماعية والثقافية التي تُحمّل المرأة غالباً وزر “السمعة” والشرف. فتاة صغيرة قد تتعرض لابتزاز بصورة خاصة أو تعليق جارح على منصّة عامة، فتجد نفسها أمام وصمة اجتماعية لا ترحم. في غياب آليات حماية فعّالة، قد تشعر الضحية أنّ حياتها انتهت، وأنّ الانتحار هو المخرج الوحيد من العار المفروض عليها قسراً. للأسف، توثّق منظمات حقوقية محلية ودولية قصصاً لفتيات أنهين حياتهن بعد تعرضهن للابتزاز الإلكتروني أو التشهير عبر الإنترنت.
تتجلى خطورة الظاهرة أيضاً في كونها متصلة بضعف القوانين وعدم تطبيقها. في كثير من دول المنطقة، لا تزال التشريعات المتعلقة بالجرائم الإلكترونية قاصرة، ولا توفر حماية كافية للضحايا، بل أحياناً يُعاد استجواب الفتاة الضحية كما لو كانت هي المذنبة. يضاف إلى ذلك قصور الوعي المجتمعي، حيث يُنظر إلى معاناة النساء في العالم الرقمي على أنها “تفاصيل صغيرة”، بينما هي في الحقيقة قضايا حياة أو موت.
الردع يبدأ أولاً من الاعتراف بأنّ العنف الرقمي شكل من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي. المطلوب تطوير قوانين واضحة تجرّم التنمّر والتحرش والابتزاز الإلكتروني، وتوفر مسارات آمنة للإبلاغ وحماية الضحايا. كما لا بد من بناء ثقافة رقمية مسؤولة، عبر حملات توعية في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، تعلّم الأجيال أنّ الفضاء الافتراضي ليس منطقة معزولة عن القيم الأخلاقية والقانونية.
كذلك، من المهم توفير خطوط ساخنة وخدمات دعم نفسي وقانوني للضحايا، بحيث لا تجد الفتاة نفسها وحيدة أمام المجرم الرقمي. وموازاةً مع ذلك، يجب إشراك منصات التواصل الافتراضي في تحمّل المسؤولية، عبر تطوير أدوات الإبلاغ السريعة، ومراقبة الحسابات المسيئة.
العنف الرقمي ليس مشكلة تقنية فحسب، بل قضية إنسانية واجتماعية. الردع الحقيقي يبدأ حين يفهم المجتمع أنّ كل تعليق جارح، وكل صورة مسرّبة، يمكن أن يكون رصاصة غير مرئية تدفع فتاة بريئة إلى الانتحار. حماية النساء والفتيات في الفضاء الرقمي هي حماية للحياة نفسها.