No Result
View All Result
محمد عيسى
منذ سقوط النظام السابق وبدء المرحلة الانتقاليّة في سوريا، خيّم على البلاد شعور مشوب بالتفاؤل الحذر. كان المجتمع السوريّ يتطلع إلى بناء اقتصاد جديد يُنهي عقوداً من الفساد، ويقطع مع سيطرة العائلات المتنفّذة التي نهبت مقدرات البلاد، بدءاً من آل الأسد، وصولاً إلى رامي مخلوف الذي كان يتحكم – بحسب أرقام رسميّة وغير رسميّة – بأكثر من 60% من الاقتصاد السوريّ قبل العام 2011. ومع بداية عهد رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع، عوّل كثيرون على أن يكون التغيير حقيقياً، وأن تطوى صفحة الزبائنية، والمحسوبيات، وشبكات الاحتكار التي شكلت عصب الدولة القديمة.
لكنّ تحقيقاً نشرته وكالة “رويترز” مؤخراً، ينسف هذه الآمال من جذورها، ويكشف خيوط شبكة اقتصاديّة جديدة، تقودها شخصيات من خلف الستار، أبرزهم حازم الشرع – شقيق رئيس المرحلة الانتقاليّة في سوريا – ورجل أعمال لبنانيّ ـ أسترالي يُدعى إبراهيم سكرية المعروف بلقبه “أبو مريم”، وهو مدرج على قوائم العقوبات الدوليّة بتهم تمويل الإرهاب.
فما الذي يجري خلف الكواليس؟ وهل نحن أمام مشروع إعمار جديد… أم أمام إعادة تدوير مفضوحة لمنظومة الأسد الاقتصاديّة، بأقنعة جديدة وشعارات جديدة، ولكن بالعقليات نفسها التي دمّرت الاقتصاد السوريّ لعقود؟
استنساخ المنظومة القديمة
كان الاقتصاد السوريّ في عهد بشار الأسد، مرهوناً لشبكة عائلية من الأقرباء والمحاسيب. رامي مخلوف، ابن خال الأسد، تحوّل خلال سنوات قليلة إلى إمبراطور اقتصاديّ يسيطر على الاتصالات (سيرياتيل)، الإعلام (شام برس)، البنوك (بنك بيبلوس وبنك سوريا الدوليّ الإسلاميّ)، وشركات الاستثمار والسياحة والعقارات. وقدّرت تقارير مستقلة حجم ثروته في عام 2010 بما يزيد عن خمسة مليارات دولار، في بلد كان يعيش أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر.
كان مخلوف واجهة لما عُرف آنذاك بـ”اقتصاد الدولة الأمنيّة”، حيث تداخل المال مع المخابرات، والتجارة مع الولاء، والصفقات مع الصمت. واليوم، بعد عقدين من الكارثة، يعود المشهد ذاته، لكن بأسماء جديدة.

يشير تقرير رويترز إلى أن حازم الشرع، الشقيق الأكبر للرئيس الانتقاليّ أحمد الشرع، يدير فعليّاً الاقتصاد السوريّ الجديد، دون أن يشغل أيَّ منصبٍ رسميّ معلن. وعلى الرغم من ذلك، ظهر حازم في مقدمةِ الوفد الرسميّ خلال زيارة شقيقه إلى السعودية في شباط 2025، وكان أول من قدّمه إلى ولي العهد السعوديّ محمد بن سلمان. الفيديو الذي بثّته وسائل الإعلام الرسميّة السعودية لم يترك مجالاً للشك: الرجل ليس ظل الرئيس… بل عقله الاقتصاديّ التنفيذيّ.
لكن من هو حازم الشرع؟ ولماذا يثير هذا الاسم هذا الجدل كله؟
من مشروبات إدلب إلى مفاصل الدولة
في تتبّع سريع لمسيرة حازم الشرع، يظهر جليّاً أنَّ الرجل لم يكن يوماً بعيداً عن مفاصل المال والسلطة، حتى وإن لم يظهر اسمه في العناوين الرسميّة. يُظهر الملف الشخصيّ لحازم الشرع على منصة “لينكدإن” أنّه شغل منصب المدير العام لشركة “بيبسيكو” في مدينة هولير بباشور كردستان لعدة سنوات، وهي وظيفة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن تعقيدات السياسة، لكنها في واقع الأمر كانت بوابة عبوره إلى شبكةٍ معقّدةٍ من العلاقات الاقتصاديّة العابرة للحدود. فبحسب مصادر مطّلعة، كان حازم الشرع مورّداً رئيسياً للمشروبات الغازيّة والسلع الاستهلاكيّة إلى محافظة إدلب خلال السنوات الماضية، حتى في ذروة الحرب، حيث استمرت شاحناته في العبور، في واحدة من أغرب حلقات التداخل بين الاقتصاد والتناحر العسكريّ.
لكنّ قصة حازم الشرع لا تقف عند هذا الحد. فالمفارقة أنّ شركة “بيبسيكو” لم ترد على استفسارات وكالة “رويترز” بشأن علاقته بها أو ما إذا كانت على علم بأنشطته السابقة، وهو ما يضيف مزيداً من الغموض على الدور الذي أدّاه في تلك المرحلة، والذي يبدو أنه امتد إلى أبعد بكثير من مجرد استيراد وتوزيع مشروبات.
وتشير مصادر داخل الحكومة الانتقاليّة إلى أن نفوذ حازم الشرع يمتد ليشمل قرارات تتعلق بالاستثمار، وإعادة الإعمار، وإدارة المصارف وشركات الاتصالات والطيران، وحتى تسعير الخدمات العامة. وفي مشهد يُعيد إلى الأذهان صورة رامي مخلوف في زمن الأسد، حين كان يُسيطر على الاقتصاد من خلف الستار، يُمارس اليوم حازم الشرع نفوذاً غير معلن، لكنه فعّال ومؤثر، يرسّخ من خلاله سيطرة غير ديمقراطية على الاقتصاد السوريّ، ويُثير أسئلة جدّية حول مدى استقلال المرحلة الانتقاليّة عن إرث النظام السابق.
اللجنة الاقتصاديّة الموازية
المفاجأة التي فجّرها تقرير “رويترز” تكمن في كشفه وجود لجنة اقتصاديّة غير معلنة، لا تتبع الحكومة السوريّة الانتقاليّة، لكنها تتصرّف كما لو أنها “دولة موازية”. هذه اللجنة يترأسها فعلياً “أبو مريم” – رجل الأعمال اللبنانيّ – الأستراليّ إبراهيم سكرية – وهو مدرج على قائمة العقوبات في بلاده بتهمة تمويل الإرهاب وصلاته بشبكات تمويل تتبع للقاعدة والمجموعات المتطرفة.
وتعمل اللجنة وفق صيغة مثيرة للقلق: تُجري صفقات تسوية سرّية مع رجال أعمال بارزين من عهد الأسد، وتعرض عليهم “العفو” مقابل التنازل عن معظم أصولهم. في إحدى أبرز هذه الصفقات، سلّم سامر فوز 80% من أصوله، بما فيها فنادق ومصانع سكر تقدّر قيمتها بمليار دولار، مقابل الحصانة. كما اضطر محمد حمشو إلى التنازل عن مصانع الحديد التي كانت تُستخدم لتدوير حديد الأبنية المدمّرة، لكنه احتفظ بمبلغ 150 مليون دولار فقط.
تشير الأرقام التي حصلت عليها رويترز إلى أن اللجنة استولت حتى الآن على أصول بقيمة تزيد عن 1.6 مليار دولار. ولا توجد أي محاضر رسميّة لهذه العمليات، ولا يُعرف من الجهة التي تراقبها، ولا إلى أين تذهب الأموال الناتجة عنها. ما هو مؤكد فقط، أن جزءاً كبيراً منها يُحوّل إلى “صندوق الثروة السياديّ” الجديد، الذي يديره حازم الشرع.
أحد أبرز أهداف اللجنة كان السيطرة على المؤسسات الاقتصاديّة التي كانت تشكل ركيزة المنظومة السابقة. وقد نجحت بالفعل في وضع يدها على:
شركة “سيرياتيل” للاتصالات، التي كانت تحت إمرة رامي مخلوف، باتت الآن تديرها اللجنة الاقتصاديّة الجديدة، بعد تسوية لم يُعلن عنها.
شركة “أجنحة الشام” للطيران، المملوكة سابقاً لعائلة الأسد، تم تغيير اسمها إلى “فلاي شام”، في محاولة لتلميع الواجهة، لكنها احتفظت بذات البنية الإدارية والتقنية.
حسب مصادر مطلعة، فإن صفقة الطيران شملت استحواذ اللجنة على 45% من الأسهم، ودفع 50 مليون دولار نقداً، وتسليم طائرتين للدولة، دون الإعلان عن مصدر الأموال. هنا، تتبدّى المفارقة الأكثر مرارة: كل ما تغيّر هو الاسم. أما المنظومة، والأساليب، والمستفيدون… فبقوا على حالهم.
تنازل سامر فوز، الذي فرضت عليه واشنطن عقوبات عام ٢٠١٩ بتهمة تربحه من إعادة إعمار سوريا بعد الحرب، عن نحو ٨٠٪ من أصوله التجارية، المقدرة قيمتها بين مليار و800 مليون دولار، وأضاف المصدر أن الصفقة شملت واحدة من أكبر مصافي السكر في الشرق الأوسط، ومصنعًا لصهر الحديد، ومصانع أخرى.
محمد حمشو، الذي تعمل شركات عائلته في إنتاج الكابلات، والأعمال المعدنية، والإلكترونيات، واستوديوهات الأفلام، فقد قام بتسليم حوالي 80% من أصوله التجاريّة، والمقدرة قيمتها بأكثر من 640 مليون دولار، وفقًا لثلاثة أشخاص مطلعين على الصفقة. وأضاف المصدر أن ثروته وصلت إلى نحو 150 مليون دولار، بينما احتفظ أفراد الأسرة بشركاتهم. وكجزء من الصفقة، تنازل حمشو عن مصنع مربح لمعالجة الصلب كان قد استحوذت عليه المجموعة جزئيًا.
صندوق بلا رقابة
في التاسع من تموز 2025، أعلنت الحكومة عن إنشاء “صندوق ثروة سياديّ” يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الماليّ والإداريّ، مقره دمشق وتابع للرئاسة. لإدارة العوائد الناتجة عن هذه التسويات والصفقات. لكنّ المفاجأة أن هذا الصندوق يُدار بالكامل من حازم الشرع، دون أي رقابة من أي جهة مالية مستقلة. لم تُعلَن أية تفاصيل حول مصادر الأموال التي يتعامل بها، ولا طريقة توزيع العوائد، ولا حتى الهيكل الإداري للصندوق.
أثار إنشاء الصندوق السياديّ جدلاً واسعاً في الأوساط القانونيّة والاقتصاديّة، وطرح الأسئلة حول صلاحيات الرئيس الانتقالي والإعلان الدستوريّ ويخشى ناشطون اقتصاديّون، أن يتحوّل هذا الصندوق إلى أداة سياسية بيد الرئيس وشقيقه، على غرار ما حصل في دول أخرى. بل إنّ أحد الدبلوماسيين الأوروبيين وصف الأمر بأنّه “عملية تعويم للفساد بغطاء الدولة”.
والكثير من الشخصيات التي تدير اللجنة الاقتصاديّة اليوم، كانت فاعلة سابقاً ضمن تشكيلات متشددة في الشمال السوريّ، أبرزها هيئة تحرير الشام. حيث أسّس بعضهم نماذج اقتصاديّة موازية خارج إطار الدولة، تعتمد على الجباية وفرض الأتاوات، ثم انتقلوا لاحقاً إلى العاصمة دمشق بعد سيطرة الحكومة الانتقاليّة، وتم دمجهم ضمن هيكل اللجنة.
حتى الألقاب تغيّرت: ففيما كان “الشيخ أبو عبد الرحمن” يُقدّم نفسه كداعية دينيّ، أصبح اليوم يُعرف داخل اللجنة بـ”الحاكم الموازي”، ويُقال إنه يدير من وراء الكواليس ملفات البنك المركزيّ. كما أن عدداً من رجال اللجنة الذين كانوا يستخدمون أسماء دينيّة، تخلّوا عنها الآن لصالح مظاهر مدنيّة أكثر قبولاً، في محاولة لإعادة تقديم أنفسهم كرجال أعمال وطنيين.
ما يجري اليوم يُشبه كثيراً ما جرى قبل سنوات، حين خرج السوريّون مطالبين بالحرية والعدالة والشفافيّة. كانوا يحلمون بوطن لا يُدار كالشركة، ولا تتحكم به عائلة واحدة، ولا يُحكم من خلال الرعب والخوف والمحسوبيات.
لكنّ الواقع يكشف أن “المنظومة” القديمة لم تُهزم، بل أُعيد ترتيب أوراقها. خرج رامي مخلوف… فدخل حازم الشرع. تراجعت أسماء الأسد… فصعد إبراهيم سكرية. تغيّرت الشعارات، وبقيت العقلية: عقلية الاحتكار، الأمن، السيطرة، والصفقات في الظل.
الدبلوماسيّة الغربيّة… صمت حذر ومخاوف متزايدة
الغرب ينظر بعين الريبة لما يجري. إذ تعتبر دول الاتحاد الأوروبيّ أنّ الغموض الذي يلفّ اللجنة الاقتصاديّة يهدد أي إمكانية لمحاسبة حقيقية أو انفتاح اقتصاديّ حقيقيّ. كما أن بقاء شخصيات معاقبة دوليّاً مثل إبراهيم سكرية ضمن دائرة القرار يُعقّد أيّ مفاوضات مستقبليّة لدمج سوريا في النظام الماليّ العالميّ.
وفي تقرير سريّ لم يُعلن عنه رسميّاً، عبّر مسؤولون أمميون عن خشيتهم من أن تتحوّل تجربة اللجنة إلى “نموذج استبداد اقتصاديّ ناعم”، يُعيد بناء الدولة الأمنيّة من خلال المال بدلاً من العسكر.
قد تكون وجوه الحكم تغيّرت، لكن مأساة الاقتصاد السوريّ تُعيد نفسها: من الاستيلاء على الثروات العامة، إلى تفصيل القوانين على قياس المستفيدين، إلى غياب الشفافية والمساءلة. وبينما يُرفع شعار الإعمار، تُنهب الأصول، وتُدار الدولة كما لو أنها مزرعة خاصة، وتُخنق آمال السوريّين من جديد.
وكأنّ التاريخ يعيد نفسه… لا كمهزلة فقط، بل كمأساة أيضاً.
هل تكون هذه بداية لانهيار اقتصاديّ جديد؟ أم فرصة ليفهم السوريّون أن التغيير لا يكون بالأسماء، بل بالنهج والمحاسبة والمساءلة والشفافية؟
الأسئلة كثيرة… لكن الإجابات، كما الاقتصاد، ما زالت محتجزة في غرفة مغلقة في فندق الفور سيزن.
No Result
View All Result