زاوية بصمة امرأة ـ حنان عثمان
في الذكرى السنوية لحملة الإبادة الجماعية، التي تعرّض لها الإيزيديون في الثالث من آب 2014، تستعيد الذاكرة الإنسانية واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبتها مرتزقة داعش المتطرفة بحق الشعب الإيزيدي المسالم، تمثّلت في القتل الجماعي للشباب والرجال، والاغتصاب والسبي للنساء والفتيات، والتهجير القسري لهذا الشعب الأصيل من أرضه المقدسة. لكن؛ وسط هذا الظلام، ظهرت ملامح مقاومة لا تُنسى، قادتها النساء الإيزيديات اللواتي تحوّلن من ضحايا الإبادة إلى رموز للنضال والمقاومة والتحرير.
المرأة الإيزيدية كانت في طليعة من أعادوا بناء شنكال، لا سيما بانخراطها في تشكيل أول قوة دفاع ذاتي نسائية في العراق، والمشاركة الفاعلة في مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. وبصمودهن أُسِّس نموذج نسوي مقاوم، كسرن به قيود التقاليد والتمييز الجنسي، ورسّخن أسس مجتمع ديمقراطي تعددي. فنساء شنكال لم يكتفِين بالبقاء على قيد الحياة، بل خضن نضالاً امتد لأكثر من عقد لتحرير شعبهن من قبضة داعش وإعادة بناء هويته من جديد.
ورغم مرور سنوات على هذه الإبادة، لا تزال معظم دول العالم تلتزم الصمت أو التجاهل، متجنّبة الاعتراف الرسمي بالمجزرة، خشية التورّط السياسي أو الاعتراف بدورها غير المباشر.
وحتى اليوم، لم تعترف الحكومة العراقية نفسها بالإبادة، متّبعة سياسة الإنكار التي تنتهك القيم الديمقراطية والعدالة. غير أن نضال الشعب الإيزيدي، إلى جانب دعم منظمات حقوق الإنسان، دفعا 18 دولة إلى الاعتراف رسمياً بهذه الجريمة.
إنّ تحرير شنكال عام 2015، الذي شاركت فيه وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة ومقاتلو الكريلا، لم يكن انتصاراً عسكرياً فحسب، بل كان بداية عهد جديد. إذ أعاد الإيزيديون بناء مجتمعهم وفق مبادئ الديمقراطية البيئية وتحرير المرأة، وأسسوا نظاماً مستقلاً في شنكال، تقوده النساء، يضع حداً لعقود من التهميش والقمع.
لقد تحوّل الإيزيديون من جماعة تسعى للبقاء إلى قوة اجتماعية تسهم في بناء مستقبل الشرق الأوسط. اليوم، بات المجتمع الإيزيدي قادراً على الدفاع عن نفسه، وعلى محاسبة من ارتكب بحقه الجرائم، وعلى تقديم نموذج للحياة المشتركة والحرة.
لم تعد شنكال فقط رمزاً للألم، بل صارت منارة للكرامة والمقاومة، تؤكد أن الشعوب قادرة على النهوض من تحت الركام، إن امتلكت إرادة الحياة والحرية.