عبد الرحمن ربوع
فيما لم تكَد سوريا تتعافى من أحداث الساحل، وما وقع فيها من مجازر وكوارث شوّهت النسيج الاجتماعي السوري، وكشفت الكثير من عواره، وما تبعها من حرائق شوهت جغرافيا وطبيعة المنطقة حتى جاءت أحداث السويداء فعمّقت الجراح وحفرت أخدودًا عميقًا في “الموزاييك السوري” لن يُشفى، ولن يلتئم بسهولة أو بسرعة. خصوصًا وأن الأجواء العامة السياسية والإعلامية والشعبية لا تتحرك باتجاه التهدئة؛ بل باتجاه التصعيد، أو على الأقل بقاء الحال على ما هو عليه، مع فترة استنزاف وعضّ أصابع من كل الفرقاء.
غياب السياسة وغياب القيادة
في كل الكوارث التي وقعت منذ الثامن من كانون الأول 2024 حتى اليوم غابت السياسة وحضرت الحماقة، وغابت القيادة وحضر الارتجال، و”الوطنية” في خبر كان، والسلم الاجتماعي “أعزُّ من بَيْض الأنوق”. والنتائج أرواح طاهرة بريئة تُزهق، وأجساد غيبها الفراق والفقد، وأسر انهارت وخسرت أعزّ أحبّتها. شباب تُقتل مجانًا بدافع الكراهية والطائفية والعنصرية، وأحيانًا بدافع الارتزاق. فيما كان يُفترض به أن يبني مستقبلًا آمنًا ومستقرًا ومزدهرًا له وللبلد وللأجيال المقبلة.
ما جرى ويجري حتى اليوم هو عكس المطلوب والمأمول. عادت البلد لتسقط في بئر الخطايا التي لا تغتفر، ولا يغفلها تاريخ، ولا يمحوها زمن، ولا يقوى عليها نسيان.
تدخّلات مشبوهة
التدخلات الخارجية في سوريا كانت ومازالت واضحة وماثلة للعيان. فسوريا “صيدة ثمينة” لا تُترك. إنها دولة محورية في قلب العالم، ولها دور أساسي في ضبط إيقاع الأمن والسلم والاستقرار والازدهار في منطقة الشرق الأوسط، وهذا كلام قرأناه وسمعناه كثيرًا، وهو صحيح وملموس، والدليل عليه كمّ وحجم الزيارات والبيانات الدولية والإقليمية على مدى الأشهر السبعة الفائتة، وقبل ذلك على مدى ثلاثة عشر عاماً من الثورة والحرب. وما جرى مؤخرًا في السويداء من تدخّلات خارجية صبّت الزيت على النار بطريقة صادمة. فالسوريون لم ولن ينسوا لإسرائيل ما فعلته منذ الثامن من كانون الأول حتى اليوم. حين دمرت البنية العسكرية التحتية والترسانة الحربية، وتغوّلت داخل الأرض السوريّة، ووصلت إلى جبل الشيخ. ودورياتها تصول وتجول في القنيطرة ودرعا تقتل، وتعتقل، وتحرق الشجر، وتهدم البيوت، وتجرّف الأرض، وتحارب السكان في لقمة عيشهم. كما لم ولن ينسوا ما فعلته وتفعله في غزة والضفة، ثم حين تأتي وتقول إنها تنحاز لشعب سوري، أو يلجأ إليها شعب سوري سيثير ذلك حفيظة وغضب بقية الشعوب، ومع أن هذا لا يبرر ما وقع في السويداء من مجازر وانتهاكات إلا أن الدور الإسرائيلي كان بلا شك عامل مساعد على تأجيج الصراع واستفحاله واستمراره، واللوم ليس على من ارتكب هذه الخطيئة فقط؛ بل على السلطة التي أوصلت الطرف الآخر ليرتكبها.
من “الفصائلية” إلى الوطنية
حتى اليوم مازالت معظم المجموعات المسلحة خارج إطار الدولة، سواء في المؤسسة العسكرية أو المؤسسة الأمنية، ومازالت معظم المجموعات لديها تحفظات على أداء هاتين المؤسستين وترفضان الاندماج كليًا فيهما، ومع أن بعضها اندمج لكنها مازالت محتفظة بهيكليتها القديمة، وتمارس استقلالية إدارية وتراتبية خارج نسق المؤسسة الرسمية، وهذا يسبب كل الفوضى الملحوظة، وكل الانتهاكات التي تعيق تقدم البلد نحو الاستقرار. كما تعيق اكتساب السلطة القائمة لثقة الشعب ولاطمئنان المجتمع الدولي.
فضلاً عن ذلك يقدم مؤيدو السلطة القائمة نموذجًا مُزريًا عن السلطة وقواعدها الشعبية، وهو نموذج مستنسخ لكن بطريقة أكثر تشويهًا وبشاعة عن سلطة نظام الأسد الهارب، وهناك تجاوزات وانتهاكات بحق كل الشعوب السورية، وخصوصًا نشطاء الثورة ونشطاء المجتمع المدني ووجوه ووجهاء المجتمع، ترقى لجرائم حرب وجرائم تعاقب عليها كل القوانين، لكنها مازالت تُرتكب دون حسيب أو رقيب، وهذا يثير الشكوك أن السلطة القائمة مؤيدة وداعمة لهذا التوجه التحريضي ضد أي سوري لا يؤيد السلطة القائمة تأييدًا مطلقًا وأعمى.
جولات مقبلة
المنطق والواقع يؤكدان أن كل الظروف ما زالت مهيأة لتكرار ما وقع في السويداء والساحل، لأن كل المسببات والمبررات المنطقية والواقعية مازالت قائمة ومستمرة. بل وتستفحل يومًا بعد يوم، لغياب المحاسبة وغياب الرؤية والحسم من السلطات القائمة. يضاف لذلك حالة اللايقين، والظروف المعيشية الصعبة، وتبخّر وعود الاستقرار وإعادة الإعمار، والتعامل باستعلاء وفوقية مع كل فئات الشعب ومكوناته.
أيضًا غياب الشفافية والموثوقية والحيادية في التحقيقات في الانتهاكات والجرائم التي تحدث كل يوم. وغياب المساءلة والمحاسبة، وعدم وجود آلية أو استراتيجية للمصالحة الوطنية أو إثبات الجدية أن هذه السلطة تمثل كل السوريين. وأنها لا تفرض نفسها من منطق القوة. والنتيجة أنها هُزمت في السويداء هزيمة مُنكرة، ومن الصعوبة بمكان إصلاح ما انكسر واهتز.
واليوم قبل الغد البلد بحاجة لقوانين وتشريعات واضحة وخاصة لمعالجة كل المصائب السابقة علاجًا جذريًا لا شكليًا، فمؤتمرات وبروتوكولات الوعود الاقتصادية الوردية التي يقدمها الأشقاء والأصدقاء لن تُصلح ما انكسر، ولن تُعيد للضحايا حقوقهم، أو للدولة هيبتها، ولن تُقنع رؤوس الأموال السورية في العودة أو المشاركة. وحتى اليوم لم يقدم مستثمر سوري واحد سنتًا واحدًا في مشروع اقتصادي أو عمراني فكيف بأقرانه العرب أو غير العرب؟
اليوم قبل الغد البلد بحاجة لحوارٍ جاد ومحترم يضع الجميع على قدر المساواة دون تفرقة أو عنصرية أو تمييز من أي نوع. والحاجة ماسة لمد الجسور وتعبيد الطرقات وإتاحة الإمكانية للتواصل البنّاء لا للتناحر العبثي، بالإضافة إلى حاجة حقيقية لوساطات خارجية نزيهة ومحايدة وحريصة على توحيد السوريين لا تفريقهم، ولا تحابي شعوب على آخر. فهل السلطة الحالية قادرة على ذلك أو مستعدة له أو لديها القابلية والرغبة الحقيقية لتنفيذه؟