No Result
View All Result
لورنس الشعير
في زمنٍ صارت فيه العروبة شعارًا يُرفع في وجه الخصوم أكثر مما تُعاش في الحياة اليومية، يظهر التناقض صارخًا بين من يتحدّثون عنها بأعلى صوت، وبين من يُجسّدونها بصمتٍ دون ادّعاء. ما أكثر من يتغنّون بالنسب والقبائل، وما أقلّ من يدركون إنّ العروبة لا تُقاس بالحسب ولا ببطاقة الهوية، بل تُقاس بالمروءة، بحماية الضعيف، وصون الكرامة وقت الشدّة.
العربي الحقيقي لا يُعرَف ساعة السِّلم فقط، بل يُختبَر وقت الخطر: هل يحمي المستجير ولو كان مختلفًا عنه؟ هل يرفض الظلم ولو طاله خصمه؟ وهل يبقى على عهده وشرفه وإن كلّفه ذلك حياته؟ هذه هي الأسئلة التي صنعت العروبة وأعطتها معناها، لا الخطابات ولا الرايات المرفوعة.
في السنوات الأخيرة، كشفت الساحة السورية نماذج صارخة لهذا التناقض. رأينا من يُهاجمون الناس بذريعة الدفاع عن العروبة، وهم ينسفون في طريقهم جوهرها القائم على النخوة والرحمة. قبل أشهر، في السويداء السورية، وُثّقت انتهاكات صادمة: رجالٌ يُرغمون شيوخًا كبارًا على خلع عمائمهم، ويحلقون شواربهم أمام الكاميرات. مشهدٌ موجعٌ لكل من يعرف قيمة الشارب والعمامة في تقاليد العرب، إذ هما رمز الهيبة والكرامة، لكن الموجع أكثر كان تبرير تلك الأفعال بأنها «حماية للعروبة»، بينما الحقيقة أنّها إهانة مباشرة لأهم ما يُفترض أن تصونه العروبة: كرامة الإنسان.
ولم يكن ذلك المثال الوحيد. في الساحل السوري، جرت مداهمات وهجمات على قرى بحجة محاربة النظام البعثي، لكن الضحايا كانوا غالبًا مدنيين بسطاء لا حول لهم. حُرقت بيوت، أُهين الشيوخ والنساء، رُميت الاتهامات جزافًا ضد طائفة كاملة، وكأنّ التنوع التاريخي في سوريا صار لعنةً بدل أن يكون مصدر قوة. كل ذلك جرى بينما يتغنّى بعض الفاعلين بـ«عروبتهم» أمام الكاميرات، متجاهلين أنّ العروبة التي نعرفها لا تُمارَس بهذه الطريقة أبدًا.
هل تغيّرت عادات العرب؟
يطرح كثيرون السؤال المؤلم: هل وصلنا فعلًا إلى زمنٍ صار فيه العربي يستهين بدم جاره، أو يُهين شيبة رجلٍ من طينته؟ وهل صار السوري يقتل السوري بهذه السهولة؟ في السويداء مثلًا، رأينا جماعات عربية هجمت على المنطقة، وسكبت القهوة على الأرض، وتعهدت ألّا تشربها حتى «تنهي» الدروز. وكأن الدم صار مباحًا باسم العُرف أو الثأر، لكن من أين جاءت هذه العادات؟ هذه ليست عادات العرب الذين عرفناهم، ولا المروءة التي ورثناها. العرب كانوا ولا يزالون أهل نخوة: يحفظون حق الجار، ويُجيرون المستجير، حتى لو كان خصم الأمس.
ربما علينا اليوم أن نسمّي هذه المجاميع بأسمائها الحقيقية: جماعات حقد لا تمتّ للعروبة بصلة، حتى لو تحدّثت بلسانها ورفعت راياتها. فالعروبة لم تكن يومًا دعوةً لإلغاء الآخر ولا لإذلاله، بل كانت شرفًا والتزامًا أخلاقيًا يعلو على الدم والعِرق والطائفة. العرب الحقيقيون لا يذبحون الجار، ولا يُفاخرون بتصوير إذلاله، بل يستحون حتى من ذكر ذلك لو اضطُروا إليه.
ما يحصل اليوم في بعض مناطق سوريا من حقدٍ طائفي، وتهديد عشائري، وتسعيرٍ للكراهية لا يمثّل العروبة ولا يشبهها. بل يشبه فقط تلك اللحظة المرّة حين ينسى الإنسان أصله، فيتحوّل من «ابن عشيرة» تحمي المظلوم، إلى «أداة» تفتك بكل من يخالفها. وهنا جوهر الكارثة: إنّ بعضهم قتل العروبة أولًا قبل أن يقتل خصمه.
شاهدٌ من تاريخ العرب
يكفي أن نتذكّر يومًا مثل يوم فتح مكة: حين قال النبي العربي محمد ﷺ لمن طال أذاهم له ولأصحابه: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». لم يُسكب الدم، ولم يُشهر السيف انتقامًا، بل انتصر العفو على الثأر، والرحمة على الكراهية. هكذا كان يُفهم الشرف والنخوة عند العرب: ضبط النفس ساعة القدرة، لا إطلاق الغضب ساعة الغلبة.
الحقيقة التي يُحاول كثيرون طمسها أو تجاهلها هي أنّ سوريا لم تكن يومًا مجرّد طوائف وعشائر عربية فقط، بل كانت ولا تزال فسيفساءً تاريخية نادرة تُدهش من يتأملها. هنا يعيش الكردي إلى جوار السرياني، والأرمني مع التركماني، واليزيدي قرب الدرزي، والعلوي إلى جانب المرشدي… حجارةٌ مختلفة الألوان والأشكال نقشها التاريخ بحكمةٍ وصبرٍ حتى صارت لوحةً واحدة اسمها سوريا. فسيفساءٌ لا يكتمل جمالها إلا بكل حجرٍ فيها، مهما اختلف لونه وقياسه. فسيفساءٌ صانها مئات السنين من عاشوا العروبة مروءةً لا سطوةً، ورحمةً لا قسوةً، فصارت سوريا الجميلة التي نحبها جميعًا.
الأشد خطورة أنّ تلك الانتهاكات لم تُخفَ، بل صارت مادة تفاخر على وسائل التواصل الافتراضي: مقاطع مصوَّرة تُبثّ بفخر، وكأن العروبة باتت تُختزل في إذلال المختلفين لا في احترامهم. لغة التهديد والوعيد طالت كل من يُفترض أنّه «خصم»، حتى لو لم يفعل شيئًا سوى الانتماء إلى طائفة أو قومية أخرى، هكذا تحوّلت العروبة من جسرٍ يجمع إلى سيفٍ يُشهر ويقطع، ومن عهد شرفٍ إلى شعار فارغ يُرفع ساعة الحاجة.
لكن مقابل هذا الوجه القاتم، هناك دومًا وجهٌ آخر لا يجد طريقه كثيرًا إلى وسائل الإعلام. هناك رجالٌ عاشوا العروبة فعلًا، بعيدًا عن الضوضاء والتصوير. في لحظات الخوف الشديد، آوى رجل درزي عائلة نازحة لم يسألهم من أين جاءوا، فقط عرف أنّهم بشرٌ خائفون. في قرية ساحلية، خبّأ فلاح علوي جيرانه السنّة في بيته رغم تهديدات المسلحين. في دمشق، شبان من مختلف الطوائف فتحوا بيوتهم للمهجّرين، لم يسألوا عن طائفتهم أو أصلهم. هؤلاء لم يتكلموا كثيرًا عن العروبة، لكنّهم جسّدوها فعلًا.
الحقيقة الواضحة وسط كل هذا الصخب أنّ العروبة ليست كلمة تُقال في خطاب، ولا صورة تُنشر على وسائل التواصل. العروبة التزامٌ أخلاقي: أن ترفض الظلم ولو مارسه من يُشبهك، وأن تحمي المظلوم ولو خالفك، وأن تبقى وفيًّا لعهد الشرف حتى وإن وقفت وحدك.
اليوم، في زمنٍ صارت فيه العروبة عند بعضهم سلاح تهديد لا مظلّة أمان، يظلّ الأمل قائمًا في أولئك الذين يعيشونها سلوكًا صامتًا، لا شعارًا يُستعمل ساعة الحاجة. هؤلاء هم الذين يُبقون معنى العرب حيًّا… مهما تعالت أصوات الادّعاء.
No Result
View All Result