No Result
View All Result
محمد عيسى
تُعدُّ اتفاقية لوزان الموقّعة في 24 تموز 1923، نقطة تحول مفصليّة في تاريخ الشرق الأوسط، وبخاصةٍ بالنسبة للشعب الكرديّ، ففي الوقت الذي رسمت فيه هذه الاتفاقية حدود الدولة التركيّة الحديثة، أدت مباشرةً إلى تقسيم كردستان بين أربع دول رئيسيّة (تركيا، سوريا، العراق، وإيران)، وتجريدِ الكرد من حقهم في تقرير المصير ودولتهم المستقلة التي وُعِدوا بها في معاهدة سيفر السابقة. وفرض هذا التقسيم على الكرد واقعاً جديداً من التبعية والاضطهاد، وسعت الدول التي ضُمت أراضيهم إليها إلى صهرهم وإنكار وجودهم وحقوقهم الثقافيّة والسياسيّة، ما مهّد الطريق لسلسلة طويلة من حملات الإبادة والتمييز.
من ترسيم الحدود إلى محو الكرد
في 24 تموز 1923، وُقِّعت اتفاقية لوزان بين الحلفاء والدولة التركيّة الناشئة برئاسة مصطفى كمال أتاتورك، ونصّت الاتفاقية على الاعتراف بالجمهورية التركيّة ضمن حدودها الحالية، مقابل إسقاط معاهدة سيفر (1920) التي كانت قد اعترفت مبدئياً بحق الكرد في تقرير مصيرهم.
هكذا، وبقلم سياسيّ لا طلقة بندقية، تم تقسيم كردستان بين أربع دول: تركيا، إيران، العراق، وسوريا. اختفى أي ذكر للحقوق الكرديّة من الوثيقة الجديدة. لا حكم ذاتيّ، لا ثقافة، لا وجود.
في تركيا “باكور كردستان”: حُظرت اللغة الكرديّة تماماً حتى في المنازل. وسُمي الكرد بـ”أتراك الجبل”، وشُنّت حملات عسكريّة على ديرسم (1937)، وزُجّ بالآلاف في المعتقلات. في العراق: ارتكبت حكومة صدام حسين مجزرة الأنفال عام 1988، راح ضحيتها أكثر من 180 ألف كرديّ. وفي سوريا: صدر الإحصاء الاستثنائيّ عام 1962 الذي جرّد أكثر من 120 ألف كردي من الجنسية السوريّة، وحُرِموا من التعليم والتملك والتوظيف.
في إيران: واجه الكرد قمعاً متواصلاً بعد الثورة الإسلاميّة 1979، وقُمع أيّ تعبير عن الهوية الكرديّة.
مئة عام من الصهر القسريّ، والتمييز، والإبادة الممنهجة التي حاولت طمس الكرد من التاريخ والجغرافيا.
من الدولة القوميّة إلى العقل الجماعيّ
بعد أكثر من خمسة عقود من لوزان، وتحديداً في 27 تشرين الثاني 1978، بزغ مشروعٌ مضاد في قرية “فيس” التابعة لولاية آمد “ديار بكر” في باكور كردستان، حيث اجتمع 22 شاباً وشابة، بقيادة القائد عبد الله أوجلان، ومشاركة من الشهيدة ساكينة جانسيز، وآخرين من شعوب غير كرديّة، لتأسيس حزب العمال الكردستانيّ (PKK). ومنذ اللحظة الأولى، حمل التأسيس دلالة رمزيّة تتجاوز القوميّة، لتضعَ اللبناتِ الأولى لحركة تحرر أمميّة الهوى.
مع مطلع التسعينيات، وتحديداً منذ عام 1993، بدأ القائد عبد الله أوجلان برفض مشروع الدولة القوميّة الكرديّة بوصفها تكراراً لنمطِ الإقصاء الذي فرضته لوزان. وبدلاً منها، صاغ مشروعاً جذريّاً يُعرف بـ*”الأمة الديمقراطيّة”*، وهو رؤية بديلة تنطلق من خمس ركائز:
تكاتف الشعوب: نفي كلّ نزعة هيمنة قوميّة، وإنهاء الصراع على الحدود.
الإدارة الذاتيّة: حق كل شعب في إدارة شؤونه ضمن إطار كونفدراليّة ديمقراطيّة.
تحرر المرأة: شرط أساسيّ لتحرر المجتمع ككل.
السلام المستدام: إنهاء الحروب العقائديّة والقوميّة.
الاقتصاد الإيكولوجيّ: بديل أخلاقيّ عن الرأسماليّة التدميريّة.
هذه الرؤية لم تعد نظرية. فمنذ 2012، تُطبق فعليّاً في شمال وشرق سوريا، وتشكّل العمود الفقريّ لبرامج حزب DEM PARTI في تركيا، وتُلهم حركات عالميّة، من الزاباتيين في المكسيك، إلى الحركات النسويّة الكولومبيّة، وبذلك كان مشروعُ الأمة الديمقراطيّة الردّ التاريخيّ الأكثر نضجاً على كارثة لوزان، والبديل العمليّ لفشل الدولة القوميّة.
حين انتصر التنظيم على الفوضى
في امتدادٍ عمليّ لمشروع “الأمة الديمقراطيّة” الذي طرحه القائد عبد الله أوجلان بديلاً عن الدولة القوميّة، تحوّلت روج آفا إلى ساحةِ اختبارٍ حقيقيّ لهذا المشروع. ومع بدء الأزمة السوريّة عام 2011، وانسحاب قوات النظام من معظم مناطق شمال وشرق البلاد، بدأ الكرد، إلى جانب شعوب المنطقة، بتنظيم أنفسهم وفق مبادئ جديدة، سرعان ما تجسدت في تجربة رائدة.
في 19 تموز 2012، أُعلنت أولى نوى “الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة” في مناطق الجزيرة وكوباني وعفرين، ضمن نموذج يقوم على اللامركزيّة، والعدالة الاجتماعيّة، والشراكة المتساوية بين الشعوب كافة.
في كانون الثاني 2014، تم إعلان النظام الإداريّ رسميّاً، مستنداً إلى خمس ركائز مركزيّة:
تحرير المرأة: تأسيس وحدات حماية المرأة YPJ، وفرض التمثيل المتساوي (50%) في كافة الهيئات.
الإدارات المحليّة: تقسيم المناطق إلى ثلاث إدارات ذاتيّة، تطوّرت لاحقاً إلى مجلس سوريا الديمقراطيّة.
التعدديّة الثقافيّة: مشاركة العرب، الكرد، السريان، الآشوريين، الأرمن، والتركمان في إدارة شؤونهم عبر مجالس محليّة.
في أيلول 2014، كانت كوباني على موعد مع التاريخ. هاجم مرتزقة “داعش المدينة”، لتبدأ معركة استمرت حتى كانون الثاني 2015، وشكّلت نقطة تحول في الحرب ضد الإرهاب. قاد الكرد ومعهم شعوب المنطقة كافة قوات سوريا الديمقراطيّة (QSD)، التي تأسست رسمياً في تشرين الأول 2015، وخاضوا معارك التحرير من منبج 2016 إلى الرقة 2017 ودير الزور 2019.
في الوقت الذي انهارت فيه الأنظمة المركزيّة، وعمّت الفوضى، نجحت شمال وشرق سوريا في بناء نموذجٍ سياسيّ اجتماعيّ متماسك، ليؤكد الكردُ للعالم أنّهم ليسوا مجرد “قضية”، بل مشروع حضاريّ بديل عن الانهيار.
وامتد النضال إلى المهجر، ففي ألمانيا وفرنسا وحدهما، أسس الكرد أكثر من 300 جمعية مدنيّة وثقافيّة. وفي السويد وبلجيكا، حاز سياسيّون كرد على مقاعد برلمانيّة، وتمكنوا من تمرير قوانين تدين انتهاكات تركيا وإيران.
بين عامي 2023 و2025، نُوقشت القضية الكرديّة ست مرات في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، كإحدى أبرز قضايا الشعوب المضطهدة. أما في جنوب كردستان “العراق”، فقد استمر الكرد منذ عام 1992 في الحفاظ على وضعهم القانونيّ، وتكريس دستور خاص عام 2005 رغم التحديات الحزبيّة والإقليميّة.
إنّ تجربة روج آفا ليست استثناءً، بل تتويجٌ لمسارٍ طويل بدأ في “فيس” عام 1978، واستمر حتى ترسيخ الإدارة الذاتيّة كأحد أنجح تطبيقات مشروع الأمة الديمقراطيّة.
نداء إيمرالي لحظة التحول
في 27 شباط 2025، كُسر جدار الصمت في سجن إيمرالي. من وراء القضبان، ومن عزلة دامت أكثر من ربع قرن، وجّه القائد عبد الله أوجلان نداءً تاريخيّاً انتظره الشعب الكرديّ لعقود: «زمن البندقية ولّى، وحان زمن العقل والتنظيم». لم تكن هذه الدعوة مفاجئة، بل كانت تتويجاً لمسارٍ طويل من التراكمات الفكريّة والسياسيّة داخل الحركة التحرريّة الكرديّة، وامتداداً لنقاشات استراتيجيّة جرت خلال لقاءين مفصليين مع ممثلي حزب “المساواة وديمقراطيّة الشعوب” (DEM PARTI) في 28 كانون الأول 2024 و22 كانون الثاني 2025 داخل جزيرة إيمرالي، ناقش فيهما القائد ضرورة إغلاق صفحة السلاح، والانتقال إلى ساحة النضال الديمقراطيّ والمؤسساتيّ بوصفه السبيل الأنجع لتحقيق الحقوق الكرديّة.
تفاعلت الحركة الكرديّة سريعاً مع نداء القائد أوجلان، وجاء الرد العمليّ في مؤتمر حزب العمال الكردستانيّ الثاني عشر، المنعقد بين 5 و7 أيار 2025 في جبال كردستان، بمشاركة 232 مندوباً من مختلف ساحات النضال. وفي بيانه الختاميّ، أعلن المؤتمر انتهاء الكفاح المسلح رسميّاً، معلناً: “أنجزنا مهمتنا التاريخيّة، وآن أوان الكلمة. نعلن نهاية الكفاح المسلح، وبدء مرحلة الديمقراطيّة والنضال المدنيّ».
هذا التحوّل الجذريّ لم يكن قراراً تكتيكيّاً عابراً، بل خلاصة أربعة عقود من المقاومة المسلحة التي بدأت في 15 آب 1984 عندما شن مقاتلو الحزب هجماتهم الأولى على شرناخ وآمد، فاتحين بذلك صفحة جديدة في التاريخ الكرديّ الحديث. واليوم، ومع هذا الإعلان التاريخيّ، يُطوى ملف الحرب ليُفتَح باب المشروع السياسيّ الجامع، ويبدأ مسار طويل لتجاوز معاهدة لوزان (24 تموز 1923) التي مزّقت جسد كردستان وسلبت الكرد حقهم في تقرير المصير.
بهذا القرار، لا يُنهي الحزب مرحلةً فحسب، بل يُطلق مشروعاً جديداً عنوانه: الكفاح الديمقراطيّ في مواجهة خرائط التقسيم والطمس التي أرستها لوزان.
وفي تصريحاتٍ خاصة لصحيفتنا “روناهي” قال الدكتور أحمد سينو عضو مركز روج للدراسات الاستراتيجيّة إنّ اتفاقية لوزان عام 1923 مثّلت نقطة فاصلة في تجريدِ الشعب الكرديّ من حق تقرير المصير، بعدما شهدت المنطقة صراعاتٍ دوليّةً معقّدة عقب الحرب العالميّة الأولى 1914-1918. وأوضح أنّ معاهدة سيفر 1920، التي فرضت على الدولة العثمانيّة المهزومة، كانت أول وثيقة تعترف بشكلٍ رسميّ بحق الكرد في تقرير المصير، واشتملت على مواد هامة مثل 62، 63، و64 التي تحدثت عن إمكانيّة إقرار استقلال كردستان بناءً على رأي السكان في مناطق مثل الموصل في كردستان الجنوبيّة.
وأضاف سينو، إنّ المفاوضات بين بريطانيا وحكومة مصطفى كمال أتاتورك جاءت لتطيح بهذا الحق، إذ تم التفاوض على صفقة بين الجانبين على حساب الكرد وشعوب المنطقة. وتجاهلت معاهدة لوزان كلّ الحقوق الكرديّة ولم تُشِر حتى إلى اسم الكرد، بينما تنازلت بريطانيا عن سيطرتها على قبرص وضمنت حرية الملاحة في المضائق، مقابل قبول حكومة أتاتورك بالحدود التركيّة التي ألغت حق الكرد في تقرير المصير.
وأشار سينو إلى أنّ الكرد لم يغادروا أرضهم، لكن دولاً جديدة نشأت بعد الحرب، منها تركيا وسوريا والعراق وإيران، وجرى تقسيم كردستان بين هذه الدول عبر اتفاقيات سايكس – بيكو وتعديلاتها في معاهدة سان ريمو 1920. وأضاف أنّ بريطانيا وفرنسا، المنتدبتين على العراق وسوريا، تعاونتا مع تركيا لتعديل الحدود لصالح الأخيرة، خاصةً عبر معاهدات أنقرة والتلويح بتنازل العراق عن منطقة الموصل.
ولفت إلى أنّ تبعات هذا التجريد كان لها انعكاساتٌ كبيرةٌ على الشعب الكرديّ، الذي أبدى مقاومة مستمرة من خلال عدة ثورات ضد الحكم التركيّ الفاشي، منها ثورة الشيخ سعيد 1925، وثورة محمود البرزنجي في كردستان الجنوبيّة، وثورة آرارات بقيادة إحسان نوري باشا، وثورة سيد رضا في ديرسم. رغم أنّ هذه الثورات لم تحقق النجاح المطلوب، إلا أنّها أكّدت للعالم تمسك الكرد بهويتهم القوميّة والوطنيّة.
وأضاف الدكتور سينو أنّ الكرد تعرضوا مع الأرمن والسريان لمذابح جماعيّة وإبادة عرقيّة، وبلغ عدد ضحايا الكرد نحو 700 ألف، فيما وصل ضحايا الأرمن إلى مليون، والسريان إلى 500 ألف، في مذابح مثل سيفو وزيلان. وأكد أنّ الكرد كانوا السبّاقين في الدفاع عن هويتهم الثقافيّة رغم محاولات الإبادة.
ثم انتقل الدكتور سينو إلى أهميّة فكر القائد عبد الله أوجلان في التحولات الإقليميّة والدوليّة، فقد تابع عن كثبٍ الصراعات الكبرى، من الحرب الباردة إلى التحولات في حلف وارسو والناتو، مروراً بحركات عدم الانحياز ومجموعة البريكس، وأحداث الحرب الروسيّة الأوكرانيّة، إضافةً إلى الصراعات في الشرق الأوسط بين إسرائيل وإيران وحزب الله. وأشار إلى أنّ القائد أوجلان استخلص من هذه التجارب مفهوم “الأمة الديمقراطيّة” كحلٍّ شاملٍ لمشاكل المنطقة، يُمكّن الشعوب من التعايش دون نزاعات عنصريّة أو طائفيّة، ويؤسس لدول تحترم الحقوق الدستوريّة للهوية الوطنيّة.
وأكد سينو إنّ مبادرة القائد أوجلان تعتمد على الحوار والسلميّة، بعيداً عن الكفاح المسلح، مع بناء مجتمعات تعتمد على الاعتراف المتبادل والحقوق الدستوريّة، وأشار إلى أنّ هذه المبادرة لاقت دعماً دوليّاً وإقليميّاً، وأحدثت تحولاً في موازين القوى داخل تركيا والشرق الأوسط، وفتحت آفاقاً جديدة للنضال الكرديّ.
واختتم سينو بالإشارة إلى تطور أدوات النضال الكرديّ عبر التاريخ، من مرحلة الثورات المسلحة إلى الكفاح المسلح، والآن إلى النضال السلميّ والديمقراطيّ في المحافل الدوليّة. وأكّد أنَّ الكرد اليوم يلتقون مع رؤساء الدول وممثلي البرلمانات في كل أنحاء العالم، ويعملون ضمن مؤسسات دوليّة، وهو ما يُكسبهم قبولاً أوسع ويعزز فرصهم في تحقيق الحقوق. كما شدد على أهميّة تفعيل النضال السلميّ والديمقراطيّ، ليواكبَ التطوراتِ العلميّة والتكنولوجيّة، ومنها الذكاء الاصطناعيّ، من أجل بناء مستقبل أفضل للشعب الكرديّ وكلِّ شعوب المنطقة.
الكرد يعودون إلى التاريخ كمؤسسين
بين 24 تموز 1923 و24 تموز 2025، قرنٌ كامل. بدأتِ القصة بمؤامرة دوليّة مزّقت أرضاً وشعباً، وها هي اليوم تُكتب من جديد بإرادةِ هذا الشعب.
لم يعدِ الكردُ مجرد أرقام في مجازر أو لاجئين على الحدود. هم اليوم مؤسسو نظامٍ بديل، دعاة تعايش، ورُسل سلام. لا يطلبون شفقة، بل يطرحون مشروعاً للإنسانيّة بأكملها.
وفي 7 أيار 2025، وبإعلان إنهاء الكفاح المسلح رسميّاً، أغلق حزب العمال الكردستانيّ فصل الحرب، وفتح صفحة التنظيم السياسيّ والمجتمعيّ. ومع استمرار تجربة روج آفا، ودور الشتات، واشتداد تأثير مشروع الأمة الديمقراطيّة، لم يعد السؤال: “هل للكرد قضية؟” بل صار: “هل للعالم القدرة على اللحاق بالمشروع الكرديّ؟”
فالزمن لم يعد زمن لوزان، بل زمن الكلمة والتنظيم والحق.
No Result
View All Result