No Result
View All Result
الحسكة/ محمد حمود – كشفت أحداث السويداء الأخيرة مخاطر الاستقطاب الطائفي في سوريا، فيما حذر المحلل السياسي كاظم الحج، من لغة السلاح، ودعا لحوار وطني ودستور عادل، ومن جانبهم أكد مواطنون في الحسكة، ضرورة وحدة الصف والكلمة، وتعميم تجربة الإدارة الذاتية على الأراضي السورية كافة، نموذجا للتعايش المشترك.
تشهد سوريا، بعد سنوات طويلة من الحرب التي بدأت عام 2011 مرحلة انتقالية حساسة عقب الإطاحة بحكم نظام البعث في كانون الأول 2024 لكن الأحداث الأخيرة في محافظة السويداء، ذات الأغلبية الدرزية، كشفت عن تحديات جديدة تهدد السلم الأهلي، حيث اندلعت اشتباكات دامية بين الدروز وقوات الحكومة الانتقالية إلى جانب مسلحين من عشائر البدو، بعد هجوم الأخيرة عليها، الذي أسفر عن مقتل مئات الأشخاص، بينهم مدنيون، ونزوح آلاف العائلات، هذه الأحداث أعادت إلى الواجهة مخاطر الاستقطاب الطائفي والعرقي؛ ما يستدعي التفكير العميق في سبل تعزيز السلم الأهلي وتجنب لغة السلاح والتهديد.
اندلعت الاشتباكات في السويداء في 13 تموز 2025 بعد هجوم عناصر من عشائر البدو على مسلحين دروز، واتسعت المواجهات فيما بعد، وتدخلت قوات الحكومة الانتقالية على أساس فض النزاع، ولكنها انحازت ضد أهالي السويداء؛ ما زاد حدة التوتر، وتأجيج المشهد.
المواجهة، أسفرت عن مقتل المئات من الطرفين، وحدثت انتهاكات وجرائم جسيمة، بحق أهالي السويداء الآمنين، بالإضافة إلى فقدان أدنى مقومات الحياة، فلا ماء ولا كهرباء ولا غذاء، ناهيك عن حالات النهب والسرقات التي طالت الممتلكات الخاصة.
غياب فكر الدولة
في السياق، تحدث المحلل السياسي العراقي، كاظم الحج، لصحيفتنا “روناهي”، في تحليل له حول أحداث السويداء: “ما حدث في السويداء نتيجة طبيعية لغياب فكر الدولة، وتبني الفكر الفصائلي، والاستقطاب الطائفي والعرقي الذي شهدناه ليس جديداً، بل هو امتداد لسياسات نظام الأسد، التي عمقت الانقسامات الاجتماعية، اليوم، يواجه السوريون تحدياً كبيراً يتمثل في بناء دولة مواطنة، تحترم التنوع، وتتجنب لغة السلاح والتهديد، والسلم الأهلي في سوريا لن يتحقق إلا من خلال حوار وطني شامل، يضم الجميع، بعيداً عن الخطابات التحريضية”.
وأضاف: “اللجوء إلى السلاح لتسوية الخلافات طريق خاطئ، ما تحتاجه سوريا آنياً، هو دستور جديد يضمن حقوق الجميع، ومؤسسات أمنية محايدة لا تنحاز لطرف على حساب آخر، أحداث السويداء تظهر أن الطائفية والعرقية، ستستغلها أطراف خارجية؛ ما يزيد تعقيد الوضع، لذلك، على الحكومة الانتقالية أن تعتمد الدبلوماسية الداخلية، والخارجية، لنزع فتيل التوترات”.
في مدينة الحسكة، التي تُعدّ نموذجاً للتعايش بين مختلف الشعوب بأديانهم وأعراقهم عبر مواطنون عن آرائهم حول ضرورة تجنب الطائفية والعرقية، فتقول زهرة أمين: “نعيش في الحسكة مع العرب، والآشوريين، والأرمن، والسريان، وغيرهم،

وتعلمنا من تجربتنا أن التنوع قوة، وليس ضعفاً، تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، أثبتت أن بإمكان الشعوب المختلفة العيش معاً تحت إدارة تحترم الجميع، ما حدث في السويداء يحزننا؛ لأن الدماء التي تُراق لن تجلب سوى المزيد من الانقسام، يجب أن نتحد بعيداً عن العرقية والطائفية، وأن نعمل معاً لبناء دولة ديمقراطية.”
ومن جهته، أكد المواطن، عبد الله جديع، أن: “الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا نجحت، لأنها أشركت الجميع في مشروعها، سواء كانوا كرداً، أو عرباً، أو مسيحيين، أو غيرهم، هذه التجربة يمكن أن تكون نموذجاً لسوريا بأكملها، لا يمكننا أن نبني بلداً قوياً، إن لم نتقرب من الجميع بالسوية نفسها، وأحداث السويداء لا يمكن أن تحل بالسلاح والعنف، بل نحتاج إلى حوار حقيقي يجمع السوريين تحت مظلة الوطن”.
بناء دولة المواطنة
تُعد تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، التي أُسِّست خلال سنوات الحرب، نموذجاً بارزاً للتعايش بين مختلف الشعوب، هذه الإدارة، التي تضم كرداً وعرباً وآشوريين وغيرهم، نجحت في إنشاء مؤسسات مدنية وعسكرية تحترم التنوع، وتعطي الأولوية للمشاركة السياسية والاجتماعية.
يقول مراقبون، إن هذه التجربة يمكن أن تكون مصدر إلهام لسوريا بأكملها، فالإدارة الذاتية نجحت في إدارة مناطق متنوعة عرقياً ودينياً، من خلال هياكل ديمقراطية تضمن التمثيل العادل، على سبيل المثال، تم إنشاء مجالس محلية تضم ممثلين عن الشعوب والمكونات، وتم التركيز على التعليم والخدمات الأساسية، بطريقة تحترم اللغات والثقافات المختلفة، هذا النموذج يمكن أن يُطبّق في مناطق أخرى، كالسويداء، لتعزيز السلم الأهلي وتجنب الصراعات.
تشير أحداث السويداء، إلى ضرورة التحرك السريع لبناء دولة مواطنة، تتجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية، يتطلب ذلك عدة خطوات؛ وأبرزها حوار وطني شامل، وعلى الحكومة الانتقالية تنظيم مؤتمر وطني، يضم ممثلين عن كل السوريين، لوضع دستور جديد يضمن العدالة والمساواة.
كما يجب الابتعاد عن الخطاب الطائفي، والتحريض، للحد من انتشاره، وتعزيز ثقافة التسامح والتعايش، إضافة إلى إصلاح الأجهزة الأمنية لبناء جيش وشرطة وطنيين، ويضاف إلى ذلك، تعميم تجربة الإدارة الذاتية، حيث يمكن لتجربة شمال وشرق سوريا، أن تكون نموذجاً لإدارة لا مركزية تحترم التنوع وتعزز الاستقرار.
ختاما؛ إن أحداث السويداء الأخيرة هي جرس إنذار لسوريا، في مرحلتها الانتقالية، والاستقطاب الطائفي والعرقي ولغة السلاح، لن تجلب سوى المزيد من الدمار، والحل يكمن في الوحدة الوطنية والحوار والابتعاد عن العنف.
تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، من جانبها، تقدم نموذجاً عملياً للتعايش، يمكن تعميمه في أنحاء البلاد، وسوريا اليوم أمام فرصة تاريخية، لبناء دولة ديمقراطية، تعددية، لامركزية، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية وتضامن شعبي لتجاوز مآسي الماضي والمضي نحو مستقبل آمن ومزدهر.
No Result
View All Result