No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف – تبقى حياة الأطفال في مخيم نوروز مرآة حقيقية لمعاناة المهجرين، حيث تتداخل أصوات الطفولة مع صور التهجير والخسارة، بين خيام من قماش رقيق وأحلام بسيطة تلاشت في طريق التهجير، يعيش هؤلاء الصغار حياةً لا تعرف الاستقرار، محرومين من حقهم في التعليم واللعب والأمان. ورغم الجراح، فإنهم يحملون في صدورهم أمنيات لا تتجاوز حدود الخيمة، وأملاً صامتاً في غدٍ أفضل، وأن تُسمع أصواتهم، وأن تُمنح لهم فرصة الحماية والعودة إلى حياة كريمة.
في منتصف مخيم، تصطفّ الخيام في بياضها صمت وحزن دفين، يطوف حولها الأطفال حفاةً بأقدامهم الصغيرة، يبحثون عن صورة وطنٍ ضاع قبل أن يعرفوه، وحولهم نساء يحملن الماء، وجوههن شاحبة، وعيونهن توثق الصبر والكثير من التعب.
روايات ومعاناة
زهور برية أمام الخيام تحيا رغم الخراب عنيدة تأبى الموت، وفي زاوية قريبة، شجرة صغيرة غرست بأيد مرتجفة، تسقيها كل صباح، تناديهم أن يعودوا إلى بيتٍ في سري كانيه، بيتٍ يهدهد ذاكرتهم كل حين.
مخيم نوروز، الأطفال فيه يولدون تحت سقفٍ من قماش، ويكبرون على صوت الأسى لا صوت معلمي مدرستهم، ويُجبرون على فهم التهجير قبل أن يعرفوا حتى ما يعنيه “الوطن”، فبين هذه الخيام لا شيء يُشبِه الطفولة، ينشد لهم سيمفونية الأحزان والشكوى على صفير الريح التي تتهب بين خيمهم المهترئة.
لا شيء في هذا المكان يدعو للدهشة، فالوجع معتاد، والبؤس مألوف، والفقرُ يوزَّع بالعدل، لكن الأصعب من ذلك، أن ترى الأطفال قد شاخت أمانيهم، يتحدثون عن المدن التي لم يعرفوها، ويحملون في صدورهم وطناً سمعوا به فقط من أمهاتهم.
ورغم ذلك كله، ظلوا محافظين على براءتهم، فخلال جولة صحيفتنا “روناهي” في مخيم نوروز، راقبناهم ينتشرون كعصافير بلا أعشاش، يلعبون بالرمل كأنهم يصنعون عالمهم بأيديهم الصغيرة، حفنةً بعد حفنة، طفل يرسم على الأرض خطوطاً متعرجة، وآخر يركض خلف كرة صنعها من أقمشة قديمة، ربطها بخيطٍ وجده عند باب خيمة، وهكذا تعلو أصواتهم بين أرجاء المدينة التي انشغلت بالتمايز المادي.
وما لفتنا طفل جلس يصنع مجسّماً صغيراً من الطين وبقايا علب معدنية من سلة غذائية، قال: إنه “بيت”، لكنه بلا نوافذ، وأجاب عن سؤالنا الفضولي: أين الباب؟ “لا يوجد باب ولا نوافذ لا أريده أن يُفتَح، كيلا يستطيع أحد أن يطردنا منه”.
ذكريات تهجير بين الخيام
وبين هؤلاء الأطفال جلس “رشيد جميل داوود” يخط الأرض بعصاً صغيرة، يرسم وجهاً ثم يمحوه بقدمه، ويعاود الرسم، و”رشيد داوود” طفلٌ في العاشرة من عمره، جاء من عفرين برحلة تهجير طويلة قاسية، لا يتذكر منزله في عفرين سوى ما ترويه له والدته في حكاياتها المتكررة، التي تصبغ جدران الذاكرة بأشجار الزيتون ومنزل ريفي صغير تنتشر رائحة خبز التنور فيه، تلك الأشجار التي تحولت عنده إلى رمز وطن مفقود، وكلما استنشق رائحة خبز التنور يتخيل منزله الصغير، الذي يتحدث عنه والديه.
أما مدرسته في الشهباء، فهي الذاكرة الحقيقية التي تعلق بها رشيد داوود، يحدثنا عنها كأنها جزيرة سلام وسط بحر من العواصف، عن زملائه الذين فرّقتهم الرياح كما فرّقت أسرته، وعن الصفوف التي لم تعد تملك جدراناً، فقد كانت المدرسة هناك بوابة للحلم، حتى جاء يوم أجبروا على التهجير فيه على المشي ساعات طويلة في صقيع الشتاء، تاركين خلفهم ما بنوا من حياة مؤقتة.
وصف “داوود” رحلته مشياً على الأقدام، كأنها رحلة في زمن مكسور، خطواتٌ تهتزّ معها أعمدة أمله، ورائحة التراب التي لم تفارق ملابسه: “لقد كان الأمر مرعباً ولا ينسى”.
أما حياته في مخيم نوروز، ففي خيمة لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف، محاطاً برمال لا تنتهي وأحلامٍ معلقة في الهواء، لا يذهب إلى المدرسة، فالخوف من التهجير مرة أخرى جعل التعليم حلماً مؤجلاً، لكنه يحتفظ في قلبه بذلك الحلم، حلم أن تعود الأيام التي يشعر فيها بأنه طفل عادي.
وقد حدثنا بحسرة عن زيارته مدينة ديرك مؤخّراً مع والدته لتلقي العلاج، وهناك رأى مبانيها الشاهقة، والمتاجر المليئة بكل شيء، شعر حينها كأنه شبحٌ بين أناسٍ لا يرونه، في عالمٍ لا ينتمي إليه: “رأيت أطفالاً يضحكون خارج المدارس، وأناساً يركضون بين الطرقات، لكنني شعرت أنني ناقص وحياتنا لا ترى عدتُ إلى خيمتي، وقلبي موجوع، المدينة مليئة بالضوء والحياة، وأنا هنا أعيش في الظل والظلم لماذا لا يوجد لنا حياة مثلهم”.
“رشيد داوود” طفل يبحث عن وطنٍ لم يبنِه بعد، وعن مدرسةٍ وبيتٍ يحمل اسمه لا عن رقمٍ في سجل المهجرين.
طفولة تحت قماش الريح
“حنان ملا علي” التي كانت تساعد والدتها في حمل إبريق الماء بين يديها الصغيرتين من خزان مياه قريب من خيمتها، بخطواتها المتعبة التي تحكي عن معاناة يومية لا تنتهي، ورغم أنها تركت المدرسة، لكنها تعشق التحدث عن الدفاتر والأقلام كما لو كانت أصدقاء مفقودين، تشتاق إلى صفوف لم تعد تجلس فيها، وتحلم بيوم تعود فيه لتتعلم وتلعب كغيرها من الأطفال.
حنان لا تتذكر بيتها في سري كانيه، لكن حين تسألها ماذا تتمنى، تهمس دون تردد: “أن أملك بيتاً لا يتحرك عندما تهبّ الريح، فهنا لا يوجد باب يُغلق، ولا جدار أستند إليه، فقط قماش، وأمنية أن تمرّ الليلة دون أن تطير الخيمة”.
خيالها الطفولي يرسم بيتها في سري كانيه من غرفتين وحديقة وشجرة، وغرفة بلون وردي: “أحياناً لا أعرف إن كنت أتخيل هذا البيت، أم رأيته في حلم، أم هو بيتنا حقاً”، فأمي تقول لنا دائماً، إننا كنا نعيش هناك قبل الحرب، وقد أعطتني مفتاح منزلنا لأحتفظ به”، مضيفةً: “لقد يئست من العودة، ودائماً تقول أمي لنا: “إن لم أعد عودي أنت، وأخيكِ الصغير يوماً ما”، ولكنني لا أعرف كيف يبدو البيت الحقيقي، فالخيمة هي كل ما عشتُ فيه”.
وقد وعدتها والدتها إن عادوا ستشتري لها لعبة صغيرة، قطعة من الطفولة التي سرقها التهجير: “أريد دمية صغيرة، أضمها عندما أبكي، وأقول لها كل أسراري، وقد وعدتني أمي بها حالما نعود”.
أما أكبر أحلامها الآن، فهي أن تنهي عملها مع والدتها سريعاً، لتذهب وتشاهد التلفاز في خيمة جارتهم، لحظة فرح بسيطة وسط هذا الألم المستفيض.
حنان الصغيرة التي لا تتجاوز ثماني سنوات، تعيش تحت خيمة، وتحمل في قلبها أمنية بسيطة “غرفة مستقرة لا تهتز مع الريح، ودمية تعيد لها دفء الطفولة، ولحظة ضحك أمام شاشة التلفاز”.
No Result
View All Result