أناهيد قصابيان
لم تعد سوريا مجرّد جغرافيا وطنية، بل تحوّلت إلى ساحةٍ مفتوحة لصراعات المصالح الدولية والإقليمية، بينما يعيش شعبها تحت أنقاض حربٍ طاحنة، لا يبدو أن أطرافها تعبّر عن إرادة السوريين الحقيقية، بل عن مصالح من يدّعون تمثيلهم.
الخارج لم يرحم سوريا، بل شرّع أبوابها للتدخلات الأجنبية، سياسيًا وعسكريًا، فباتت أرضها مقسّمة بين النفوذ التركي، والروسي، والأميركي، والإيراني، ولكل طرف أجندة، ولكل أجندة أدوات، لقد تحولت القضية السورية إلى سلعة تفاوض، لا إلى مأساة إنسانية تتطلّب إنصافًا وعدالة.
أما الداخل، فقد تشظّى أكثر مما يحتمل، بفعل القمع، وانهيار الحياة السياسية، وتفكك النسيج المجتمعي. بين سلطةٍ تمسّكت بخيار العسكرة، ومعارضةٍ تماهت مع الخارج، وشعبٍ تُرِك ضحية للخذلان، بات الأخ يُقاتل أخاه، لا لعداوةٍ شخصية، بل لأن خطاب الكراهية انتصر على صوت العقل، ولأن صوت السلاح طغى على صوت الحوار.
ومع تصاعد القصف، وظهور المجموعات المتطرفة، وتهجير الشعوب الأصيلة، نشأت تجارب حكم جديدة في بعض المناطق. من بين هذه التجارب، برزت الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا كحالة سياسية وإدارية مختلفة. هذه الإدارة لم تكن نسخة مشوّهة من الأنظمة السابقة، بل سعت – وما تزال – إلى بناء نموذج تشاركي يضمن تمثيل جميع الشعوب: الكرد، العرب، السريان، الآشوريين، الأرمن، والتركمان، على قاعدة الحرية والمساواة والاعتراف المتبادل.
ما يُحسب لهذه التجربة أنها وُلدت في قلب العاصفة، لكنها لم تنهار، بل ثبتت، ونجحت في حماية المجتمع من التنظيمات والمجموعات المتطرفة، وفي الحفاظ على التنوّع المجتمعي، في وقت كانت فيه مناطق سوريّة أخرى تتآكل بفعل الانقسام أو الاستبداد.
ولم تكن الإدارة الذاتية عبئًا على وحدة سوريا كما يروّج البعض، بل قدّمت مشروعًا وطنيًا نابعًا من الإرادة الشعبية، يعبّر عن رغبة حقيقية في العيش المشترك، وبناء مؤسسات مدنية، ومجالس شعبية، ومشاركة واسعة للنساء والشباب، رغم الحصار، والتشويه الإعلامي، والتحديات الأمنية والاقتصادية.
فلماذا يُرفض هذا النموذج؟ ولماذا يُخوّن كل من يسعى لحماية المجتمع من الانهيار؟
إن معالجة الأزمة السورية لا تكون بتجاهل التجارب الناجحة، ولا بإعادة إنتاج الاستبداد تحت شعارات وطنية جوفاء، بل بفتح الباب أمام مسار وطني جامع، يعترف بكل القوى الفاعلة والشعوب، دون إقصاء ولا وصاية.
نحتاج إلى خطاب جديد: لا يعادي التنوّع، بل يحتضنه. لا يكرّس الهيمنة، بل يُشرك الجميع في القرار. لا يراهن على الخارج، بل يبني سوريا من الداخل، بوعي أبنائها، وتجاربهم، وآمالهم.