حمزة حرب
سقط النظام السوريّ بعد سنواتٍ طويلةٍ من ارتهانِ قراره لحلفائه، إلا أنّ مشهدَ الوصايةِ على سوريا لم يتغيّر، فالحكومة السوريّة الانتقاليّة ذاتِ اللون الواحد وقعت تحت سطوةِ وهيمنة القوى الإقليميّة، وفي مقدمة التأثيرات الخارجيّة العاملان الإسرائيليّ والتركيّ اللذين تتقاطع مصالحهما توافقاً، وتختلف تنافساً وليس خلافاً، فيما تعاني الدولة السوريّة هشاشة عسكريّة وسياسيّة وحتى اجتماعيّة.
الشخصيات التي اعتلت سدة الحكم اليوم في سوريا هي التي انخرطت أو كانت مقربة مما تسمّي نفسها بالمعارضة، وهي مدعومة من دولة الاحتلال التركيّ وقوى غربيّة، ورغم ادّعائها تمثيل المعارضة، فإنّ واقعها السياسيّ والعسكريّ لم يغيّر عما كان عليه واقع الحال في سوريا، فالذهنيّة الإقصائيّة نفسها لا زالت تحكم، ولكن تغيّرت الأسماء، والأفظع هو التدخل الخارجيّ الذي بلغ حدّ مصادرة قرار الحكومة في مواقفٍ كثيرة.
كيانٌ بلا سيادة
بعد أن سقط النظام وفرّ رموزه إلى روسيا ودول أخرى باتت الساحة مهيأة لتسيطر هيئة تحرير الشام الذراع السوريّ لتنظيم القاعدة على الحكم في البلاد التي دخلت في نشوة السقوط المدوّي للنظام السوريّ الذي جثم على صدور السوريين لأكثر من 50 عاماً متجاهلين آليات وكيفيات وصول الهيئة السريع إلى الحكم، ومتغيرات الموقف الدوليّ التي أسهمت بسقوط النظام، ومن المستفيد من هذا الوصول.
فتل أبيب لا تدعم حكومة أحمد الشرع للمرحلة الانتقاليّة بشكلٍ علنيّ، لكنها تفضّل وجوده خصوصاً في ظل تغيّر الموازين وانحسار النفوذ الإيرانيّ وتعتبره أداتها داخل سوريا تمنع إعادة ترتيب الأوراق الإيرانيّة وترميم نفوذها مجدداً على الساحة السوريّة، وبالتالي أنهت فرضية أن يتحالفَ أيّ النظام الجديد مع طهران.
كل من دولة الاحتلال التركيّ وإسرائيل يجمعهما هدفٌ واحد، وهو التمدد وتقاسم تركة النظام في سوريا لكن مصالحهما في بعض الأحيان تتضارب على الساحة السوريّة، ولكن سرعان ما تلتقي مجدداً لتهيمن على قرار الحكومة الانتقاليّة في دمشق والتي أثبتت المعطيات على الأرض أنّها تفتقر إلى قاعدة شعبيّة على امتداد الجغرافية السوريّة، ولعبتها بتمثيل مصالح الدول الداعمة أكثر من تمثيلها لطموحات السوريين باتت واضحة ومكشوفة للعيان.
في زحمة الخراب السوريّ، وفي غياب الحكومة التي تمثّل تطلعات السوريين شكّلت هاجساً كبيراً لهم سيما وأنّهم كانوا يأملون أن من سيقود البلاد في مرحلتها الانتقاليّة ستكون حكومة جامعة ترفع شعارات الديمقراطيّة والتعدديّة والحرية التي قدم السوريون كلّ التضحيات لبلوغ هذه الأهداف.
الحكومة الانتقاليّة كجسمٍ سياسيّ تعكس إرادة مجموعات عسكريّة قادمة من شمال سوريا لكن الواقع أكثر تعقيداً، وأكثر خطورة، فهذه الحكومة لا تملك مشروعاً وطنيّاً جامعاً وحقيقيّاً وكل ما لديها رُتب توزع على متزعمي المجموعات المسلحة التي وضعت تعليماتها على طاولة دولة الاحتلال التركيّ.
فلم تعرف لحظة واحدة من الاستقلال الحقيقيّ في القرار أو السيادة. لقد خُطَّت ملامحها الأولى في إسطنبول، وسارت خُطاها بإشارة من أنقرة، فيما لم تكن تل أبيب بعيدة عن المشهد وإنْ ظلت في الظل تراقب وتناور وتؤثر من بعيد وما يطفو على السطح اليوم من مؤشرات التفاهم والتغاضي عما تقوم به إسرائيل خيرُ دليلٍ على التناغم الفعليّ والحقيقيّ بين الجانبين.
فصحيح أن هذه الحكومة في العلن تصدّع الرؤوس بالتصريحات الفضفاضة والتي تحاول من خلالها الإيحاء للشارع السوريّ بأنها ستُلبي تطلعاتهم وتحسّن الاقتصاد وتحقق الانفتاح على المجتمع الدوليّ، ولكن في حقيقة الأمر هذه الحكومة تتعرى يوماً بعد آخر، ويتكشف أنّها كيانٌ بلا سيادة، وأن أقوالها لا تتحول إلى أفعال، إلا بموافقة بل بتعليمات من مشغليها أو داعميها.
ليس سراً أنّ أنقرة تُعامل هذه الحكومة كأداة إداريّة تُسهّل لها إدارة مناطق النفوذ السوريّ لا قرارات تُتخذ في الداخل إلا بتوجيهٍ خارجيّ، وقد باتت هذه الحكومة تنفّذ سياسات تتقاطع تماماً مع أولويات كلٍ من تركيا وإسرائيل تارةً والولايات المتحدة والغرب تارةً أخرى ولو على حساب المصلحة السوريّة التي تُبنى على التفاهم والحوار الوطنيّ وبناء سوريا الجامعة.
نكباتٌ متلاحقة
يجزم متابعون للشأن السوريّ أنّ الحكومة الانتقاليّة اليوم باتت بوابةَ عبورٍ لمشاريع غير سوريّة، ووضعت الحلّ في البلاد على سكة لا تؤدي إلى دمشق، بل إلى عواصم النفوذ وأمام هذه الحقيقة، لا يمكن الحديث عن “حلٍّ سياسيّ” تشارك فيه جميعه السوريين إلا إذا تغيّر مسارها، أو تم استبدالها بكيانٍ وطنيّ نابع من الداخل، غير مرتهن للخارج.
ففي بلد أنهكته الحرب وتمزقت أوصاله بين قوى إقليميّة ودوليّة كانت الآمال معلّقة على البديل الوطنيّ للنظام المستبد كي تكون الوجه الآخر لسوريا الجديدة، بديلٌ يملك مشروعيّة أخلاقية، ورؤية وطنيّة، ولكن الواقع سرعان ما تبدّدت هذه الآمال، وانتهجت هذه الحكومة سياسة مشابهة لسياسة النظام السابق من خلال سعيها لحكمِ البلاد بالحديد والنار، لكن الحديد والنار لدى النظام كان منظماً بصورةٍ نسبيّة، فقد كان يدير الخطاب الإعلاميّ بصورةٍ منتظمة، فيما سلطة دمشق تمارس التضييق وتترك المجال مفتوحاً لخطاب الكراهية، كما لا يسعها حتى متزعمي المجموعات المتعددة التي يفترض أنّها انضمّت إلى وزارة الدفاع وباتت تحت إمرتها، وبكل الأحوال تسير وفق مرتكزات لا تقلُّ خطورةً عن الاستبداد ذاته والتبعية للخارج، والانفصال عن الأرض والشعب.
الغريب أنّ الحكومة الانتقاليّة، رغم هشاشتها وعدم تمثيلها لكلّ السوريين لا زالت تصرّ على أنّها البديل الشرعيّ للنظام السابق فهي تتعنت في مواقفها، وترفض أيّ حوارٍ مع القوى السياسيّة والعسكريّة في البلاد، فتارةٍ تدّعي الحوار مع الإدارة الذاتية وتارات أخرى تهاجمها، وتعيش في تناقضٍ دائم بين الخطاب الوطنيّ والممارسة العشوائيّة التي تحضّ على الانقسام والتشرذم والكراهية.
هذا التعنت لم يعد مجرد خيار سياسيّ، بل تحول إلى عقبةٍ حقيقيّة في طريق الحل السوريّ فالحكومة الانتقاليّة لا تملك أدوات سيطرة على الأرض، ولا شرعية ديمقراطيّة ولا حتى قدرة على ضبط مجموعات السلاح التي تعمل تحت مظلة “وزارة الدفاع ” إلا أنّ قرار هذه المجموعات لا يزال شبه مستقل في ممارساتها وخطواتها. هذا المشهد القائم اليوم على الأرض دفع ضريبته السوريين فمن أحداث الساحل والمجازر التي ارتكبت بحق العلويين ويندى لها جبين الإنسانيّة جمعاء إلى السويداء وما شهدته من انتهاكات ترقى لجرائم حرب وقيادتها التجييش والتحريض للشعب السوريّ حتى تُحدِث الانقسام والتفتيت في الشارع السوريّ وهذا ما شهدناه بين البدو والدروز فالحكومة هي من أسس لهذا المشهد وهي من تلعب دور الأداة لخلق هذا الواقع الذي يخدم مصالح الدول الإقليميّة وتعزيز حالة انعدام الثقة بين الأطراف السوريّة.
لتستمر حالة التصلب والارتهان وتبقى سوريا تترنح نحو مستقبل غير واضح لا النظام السابق كان قادر على احتواء المشهد والانفتاح السياسيّ ولا الحكومة الانتقاليّة الحالية كانت البديل الناجح الذي يعول عليه السوريين فالقوى الدوليّة تتقاسم مناطق النفوذ واللاعبون المحليون يتحولون إلى أدواتٍ بيد الخارج ومع كل يومٍ يمر تتنامى حالة الجمودِ السياسيّ والتشرذم المجتمعيّ على امتداد الساحة السوريّة.
كل هذا سببه تعنّت الحكومة الانتقاليّة، ورفضها لأيّ حوار وطنيّ جاد، وهو ما لا يخدم إلا استمرار الانقسام ويعزز منطق التبعية، ويكرس غياب الدولة وتمنح لنفسها مبررات إضافية لتواصل تجاهلها لأيّ حلّ سياسيّ حقيقيّ لتغيب كلمة السوريين الحقيقيّين عن المشهد وتسود سياسة القطيع المطبقة من قبل الأنظمة المهيمنة.
طوق النجاة وسبل الخلاص
في ظل الانقسام السوريّ المرير، والتآكل البطيء للهوية الوطنيّة تحت وقع الانتهاكات والسياسات الإقليميّة والتدخلات الخارجيّة، تبرز حقيقة لا مفرّ منها ومفادها لا خلاص لسوريا إلا بالحوار “السوريّ – السوريّ” الشامل فبعد أكثر من عقد على بداية الأزمة السوريّة، وأمام الفشل المتكرر لكل الحلول المستوردة، تتضح الحاجة إلى مسار جديد ترسمه إرادة السوريين أنفسهم، لا يمليه الخارج، ولا تحتكره جهة دون سواها.
لقد أثبتت المرحلة الراهنة أنّ الحكومة السوريّة الانتقاليّة، ورغم كل الدعم الخارجيّ الذي حظيت به، لم تنجح في تمثيل السوريين تمثيلاً حقيقيّاً، بل اختزلت المشروع في دوائر سياسيّة ضيقة، وأغلقت الأبواب بوجه كلّ صوت مستقل، أو تجربة مدنية بديلة، أو مقاربة لا تتطابق مع شروط الراعيين الإقليميين.
لكنّ الحقيقة التي تفرض نفسها اليوم هي أنّ الحلَّ لن يولد في العواصم الإقليميّة من غرف أنقرة أو موسكو أو تل أبيب بل في لحظة مصالحة وطنيّة شجاعة، يُعاد فيها الاعتبار للحوار الوطنيّ، باعتباره الطريق الوحيد لصياغة مستقبل تشاركيّ، عادل، وديمقراطيّ يؤمن بالتعدديّة والعيش المشترك بين كل أبناء سوريا.
لقد آن للحكومة الانتقاليّة أن تتخلّى عن منطقِ الاحتكار والوصاية، وتتوقف عن اعتبار نفسها “الشرعية الوحيدة” لمجردِ أنّها حظيت باعترافٍ من بعض العواصم، ولكنه اعترافٌ مشروط باقتران الأفعال بالأقوال، فيما الشرعيّة الحقيقيّة مصدرها الشعب في الداخل، ومن صناديق الاقتراع، ومن التآلف في الحالة الوطنيّة، والتقدم المطرد في تقديم الخدمات للناس، وتحسين ظروف حياتهم الأمنيّة والمعيشيّة، وشراكة الجميع دون تهميش لأحدٍ.
الحلّ الحقيقيّ يأتي من الاعتراف المتبادل بين جميع القوى الوطنيّة، على اختلاف مرجعياتها ومناطقها ما يسمح بفتح باب التمثيل السياسيّ الحقيقيّ لكلّ الشعوب عرباً، كرداً، آشوريين، علويين، سنّة، دروزاً، إسماعيليين وغيرهم من مكونات الشعب السوريّ إلى جانب إشراك قوى المجتمع المدنيّ، ولجان الأحياء، والنساء، والشباب، والمجالس المحليّة التي تشكّلت في مختلف الجغرافيا السوريّة.
فتجربة الإقصاء فشل فيها النظام وقادته إلى سقوطه المدوي وتكرار سياساته لن يحقق نتائج مختلفة للحكومة الانتقاليّة، إنّما التجربة التي يحتذى بها على أرض الواقع وبشهادة القاصي والداني هي تجربة شمال وشرق سوريا؛ لأنّها كانت ثورة ذهنيّة حقيقيّة غيّرت من المسلمات التي زرعها النظام السابق في عقول السوريين وأسست أركان العيش المشترك بين شعوب المنطقة.
بينما الحكومة الحالية ما تزال رهينة الخارج، ومتورطة في ملفات فصائليّة ضيقة، ولا أمل يُرجى دون ثورة سياسيّة ذهنيّة داخل صفوفها، ثورة تطيح بالتبعيات العمياء وتنفتح على كل السوريين وتجعل من مشروع العيش المشترك بين الشعوب هدفاً حقيقيّاً لا شعاراً مرحليّاً.
الحوار بين السوريين بكلّ أطيافهم ومشاربهم هو الخيط الوحيد المتبقي لنسج مستقبل مختلف وكلّ تأجيل لهذا الحوار هو خطوة جديدة نحو المجهول بينما عند الإيمان المطلق أنّ كلّ السوريين معنيين في رسم معالم البلاد ومن دونهم، سيبقى أيّ مشروع ناقصاً، مشوّهاً، وخارجاً عن الواقع عندها سيكون أمام السوريين فرصة البناء والانتقال إلى الهدف المأمول وهذا لن يحدث إلا بالحوار السوريّ – السوريّ الذي لم يعد خياراً مثالياً فقط، بل هو خيار الضرورة فلقد فشلت مشاريع التبعية، وسقطت رهانات الفصائل، وتخلّت القوى الكبرى عن حلٍّ نهائيّ ولم يبقَ أمام السوريين سوى بعضهم البعض ليبنوا وطنهم المشترك.