روناهي/ دير الزور ـ يُعد الانتحار، بكل أسف، أحد أخطر التحديات التي تواجه الصحة العامة والمجتمعات حول العالم في القرن الحادي والعشرين، فإنه ليس مجرد فعل فردي، بل حصيلة معقدة لتفاعل عوامل نفسية، اجتماعية، اقتصادية، وثقافية تنهك الفرد وتدفعه إلى نقطة اليأس المطلق.
تمثل كل حالة انتحار خسارة بشرية لا تُعوض، وتترك وراءها دوائر من الألم والحزن والأسئلة غير المجابة التي تُؤرق الأسر والمجتمعات على حد سواء.
أسباب الانتحار
ويعود سبب الانتحار لكثرة الضغوط التي تدعو لليأس والألم، ومنها الضغوط المادية والنفسية، حيث يُعتبر الوضع الاقتصادي الضاغط، وما يترتب عليه من أعباء نفسية ومعنوية، المحرك الرئيسي للعديد من هذه الحالات، لاسيما بين الشباب والمتزوجين، بالإضافة للتسلط الذكوري والتقاليد المقيدة، حيث تلعب العادات والتقاليد الصارمة، خاصة تلك التي تقيد حرية المرأة وتعرضها للعنف والضرب والتسلط، دوراً كبيراً في دفع الإناث إلى حافة الهاوية، فبعضهن لا يجدن سبيلاً للتحرر من هذه القيود إلا بإنهاء حياتهن.
وشهدت مناطق وبلدات الريف الشرقي من مقاطعة دير الزور في الآونة الأخيرة تزايداً مقلقاً ومخيفاً في حالات الانتحار، التي باتت تدق ناقوس الخطر وتثير قلقاً واسعاً في الأوساط المجتمعية.
ففي الشهرين الماضيين، سجلت المنطقة حوادث مأساوية متعددة، طالت شرائح عمرية مختلفة، من اليافعين إلى البالغين، مما يستدعي تدخلاً سريعاً وجذرياً من كافة الجهات المعنية.
حالات متكررة تروي فصولاً من الألم
وفي السياق، أشار أحد أهالي مدينة هجين “قصي الهادي“، خلال حديث مع صحيفتنا “روناهي”، إن حالات الانتحار المتصاعدة تعكس عمق الأزمة النفسية والاجتماعية التي يعيشها السكان، فمن أبرز الحوادث التي لا تزال أصداؤها تتردد أحدها، فتاة بعمر (20 عاماً) في مدينة هجين، أقدمت على إنهاء حياتها بعد أن عانت من ضغوط أسرية خانقة، شملت إجبارها على ترك الدراسة ورغبة الأهل في تزويجها قسراً، فعبرت عن ألمها في كتاباتها، ومنها عبارة “سأرحل قريباً”، وتركت رسالة مؤثرة لوالدها قالت فيها: “سامحني، ما عاد أتحمل”.
وأضاف الهادي: “ويوجد حالة أخرى من الانتحار في مدينة هجين، حيث أقدمت فتاة على حرق نفسها بسبب ضغوطات الحياة والضغط الأسري، لأنها تزوجت زواجاً مبكراً فكانت لها صدمة لم تستطع تحمل كافة المسؤوليات الى جانب التسلط الذكوري”.
ومن جانبه ذكر “إسماعيل المحمد” أحد أهالي بلدة غرانيج، إن حالات الانتحار كثرت في الآونة الأخيرة، حيث أن فاجعة انتحار مديرة مدرسة بعمر ٤٠ عاماً إثر خلافات زوجية حول الراتب هزت المنطقة، ورغم التكهنات الشعبية حول ملابسات وفاتها، إلا أن المقربين منها يؤكدون أن الضغوط النفسية المتراكمة كانت وراء إقدامها على قتل نفسها.
وقال أيضاً: “توجد حالة انتحار أخرى، حيث أقدم شاب يبلغ من العمر 18 عاماً على شنق نفسه، والسبب المعلن هو منعه من استخدام الهاتف الجوال من والده، حادثة تبرز مدى تأثير الضغوطات، حتى لو بدت بسيطة في نظر البعض”.
وفي السياق ذاته، قال عضو هيئة الشباب والرياضة في مقاطعة دير الزور “ياسين النوري“: “تُعد ظاهرة الانتحار تحدياً عالمياً معقداً، يترك وراءه آثاراً عميقة من الألم والحزن في المجتمعات والأسر”.
وتابع: “فهي ليست مجرد أرقام تُسجل، بل هي قصص إنسانية مؤلمة، تعكس صراعات نفسية شديدة قد تدفع الفرد إلى الاعتقاد بأن إنهاء حياته هو المخرج الوحيد من ألمه الذي لا يُطاق”، مضيفاً: “إن فهم هذه الظاهرة بكل أبعادها بات ضرورة ملحة لمواجهة تصاعدها وإنقاذ الأرواح”.
وأشار “ياسين النوري”: “نحن نعمل بشكل دوري على محاضرات توعوية تفاعلية، تقدم هذه المحاضرات محتوى غني بالمعلومات المبنية على أسس علمية ودينية، ولكن بأسلوب مبسط ومحفز للحوار تركز المحاضرات على مفهوم الانتحار وأسبابه المتعددة (الاجتماعية، النفسية، الاقتصادية، الثقافية)، وعلامات الإنذار والتحذير التي يجب الانتباه إليها، وكيفية بناء آليات التأقلم الصحية للتعامل مع الضغوط، وأهمية الإيمان والجانب الروحي في مواجهة الأزمات، وفتح باب النقاش والأسئلة لتقديم إجابات شافية وتصحيح أي مفاهيم خاطئة”.
زواج القاصرات.. طفولة مسلوبة ومستقبل مُهدر
وبدورها، أضافت الإدارية في دار المرأة بمقاطعة دير الزور “سحر المصطفى“: “تُعد ظاهرة زواج القاصرات، أو زواج الأطفال، انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان الأساسية، وتمثل تحدياً عالمياً يستنزف المجتمعات على الأصعدة كافة، فهي ليست مجرد عقد زواج، بل حكم بالإعدام على طفولة فتيات في مقتبل العمر، وسلب حقهن في التعليم، والصحة، والنمو، واختيار مستقبلهن”.
واختتمت الإدارية في دار المرأة بمقاطعة دير الزور “سحر المصطفى” مشددةً، على أن إنهاء زواج القاصرات يتطلب جهوداً متعددة الأوجه كـ “تقوية الأطر القانونية وتطبيقها بصرامة، وإطلاق حملات توعية مكثفة في المجتمعات لتغيير المفاهيم الخاطئة، وتعزيز تعليم الفتيات وتمكينهن اقتصادياً، وتقديم الدعم للأسر الأكثر ضعفاً”.