قامشلو/ دعاء يوسف – من كردستان إلى العالم؛ سطرت الفنانة الكردية شهريبانا كردي رحلتها الفنية بصوت الهوية، لتزور روج آفا بعد ثلاثة عقود من الزمن لإحياء احتفالية 19 تموز، وقد شكّلت زيارتها محطة فنية وعاطفية تعبّر عن ارتباطها بالهوية والنضال الكردي، خاصة كصوت نسائي مقاوم من المنفى، وأكدت على أهمية الحفاظ على أصالة الفن الكردي ودعم الجيل الجديد ليحمل رسالته بصدق.
في لحظة استثنائية ذات رمزية ثقافية ووطنية كبيرة، عادت الفنانة الكردية الشهيرة شهريبانا كردي إلى روج آفا بعد غياب دام أكثر من 31 عاماً، للمشاركة في إحياء احتفالية 19 تموز، إحدى المناسبات التاريخية البارزة في الذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة.
تعد هذه العودة، التي وصفت بـ “العاطفية والعميقة”، أكثر من مجرد مشاركة فنية؛ إذ إنها حدث ثقافي وإنساني يعكس ارتباطاً أصيلاً بالجذور والهوية، ورسالة واضحة عن الانتماء والصمود في وجه النفي والشتات.
من الغناء المحظور إلى المنبر الحر
في لقاء خاص لصحيفتنا “روناهي”، تحدثت الفنانة شهريبانا كردي عن مشاعرها عند عودتها إلى أرض لم تطأها منذ أوائل التسعينات: “لا يمكن للكلمات أن تصف ما أشعر به، إن العودة إلى روج آفا كانت أشبه برحلة داخلية إلى عمق الذات، إلى البيت الحقيقي بعد غياب طويل، وهذا الزيارة ورؤية المدينة وصور القائد عبد الله أوجلان والشهداء التي علقت في أنحائها كافة حركت في داخلي العديد من المشاعر كالفخر والسعادة”.
وأشادت شهريبان بما وصفته بـ “الإرادة الحقيقية في بناء مجتمع يعتني بالمرأة، ويصون اللغة الكردية”، معتبرة أن ما يحدث اليوم في روج آفا يختلف كلياً عن واقع الشباب الذي عايشته في بداياتها، حين كانت اللغة محظورة والصوت الكردي مهمّشاً.
هذا وولدت شهريبانا كردي عام 1973 في مدينة إزمير لعائلة كردية من ماردين، وبدأت مشوارها الفني في سن المراهقة، متحدية الواقع السياسي الذي كان يجرّم الغناء بالكردية، وانطلاقتها الفعلية جاءت عام 1991 مع ألبومها الشهير “Ez keçim keça Kurdanim”، الذي تحوّل إلى أيقونة فنية في تاريخ النضال الكردي.
فيما شاركتنا شهريبان لمحة عن بداياتها، مؤكدة أن الفن في تلك المرحلة كان فعل مقاومة صامتة، وكانت أغانيها تُتداول سراً، وتحمل رسائل شعب يسعى للحرية: “الفن كان صوتاً للمظلومين، واليوم أصبح أكثر حرية، لكنه يواجه خطر الانزلاق نحو السطحية، رسالتنا الثقافية يجب ألا تُختزل”.
وقد زارت شهريبان إقليم شمال وشرق سوريا فشاركت في احتفالات 19 تموز ووصفت مشاركتها في هذه الاحتفالات التي ترمز لانطلاقة الإدارة الذاتية الديمقراطية فيه بأنها “واجب وطني وشخصي”، وأوضحت أن الأغاني التي ستغنيها تم اختيارها بعناية لتعكس روح النضال والهوية: “كل أغنية سأغنيها كانت قصة، وصدىً لصوت شعب لا يعرف الاستسلام، وإرادة لا تنكسر في وجه الظلم”.
وتابعت: “لقد أردت رفع المعنويات، وشحن الهمم في الشعب الثوري، وأغانيَّ تمثل الثورة والثورة تمثلني”.
الفن والمرأة… بين التهميش والتمكين
كما تناولت شهريبان تجربتها كفنانة كردية، وأشارت إلى الصعوبات التي واجهتها كامرأة في بيئة معادية للفن واللغة الكردية، مؤكدة أن الإصرار على الاستمرار كان خياراً وجودياً: “لأني امرأة كردية في التسعينات يعني أن أواجه التهميش مرتين، لكن هذا التحدي كان هدفي للاستمرار”.
وتابعت عن واقع المرأة في الفن الكردي اليوم، مشيدة بالتطور الملحوظ في شمال وشرق سوريا، حيث “أصبحت النساء لا يكتفين بالغناء فقط، بل أصبحن منتجات للفن وصانعات للقرار الثقافي، ومع ذلك، دعت إلى مزيد من العمل لتحسين جودة المحتوى وضمان التمثيل الحقيقي”.
ودعت شهريبان ومن خلال لقائنا معها الفنانين الكرد إلى إعادة توجيه بوصلتهم الفنية نحو قضايا الثورة والهوية، وعدم الاكتفاء بأغاني الحب والعاطفة: “إن المرحلة التي يمر بها الشعب الكردي تتطلب فناً يحمل رسالة، تعكس نضاله وثقافته وواقعه الراهن، لا فناً يُفرّغ الفن من مضمونه”. كما شددت على أهمية إحياء الأغنية الكردية الكلاسيكية، التي كانت لسنوات صوت المقاومة والوجدان الجمعي، وضرورة تحديثها دون تفريغها من معناها.
وقد أعربت شهريبان عن تفاؤلها تجاه المشهد الفني الناشئ في شمال وشرق سوريا، حيث رأت فيه طاقات واعدة بحاجة إلى الدعم والتدريب، وتطرقت إلى التحديات العالمية التي تواجه الفن الكردي، من قيود سياسية إلى نقص التغطية الإعلامية: “صوت الفن الكردي لا يزال محاصراً دولياً، لكنني مؤمنة أن زمن الاعتراف قادم، حين يسمع العالم صوتنا الصادق والجميل”.
في ختام اللقاء، وجهت شهريبان رسالة مؤثرة للفنانين الشباب، لا سيما النساء منهم، داعية إلى التمسك بالهوية واللغة، والاستمرار في حمل الرسالة الثقافية: “الفن ليس أضواءً أو شهرة، بل هو صوت شعب، وهوية أمة، ومسؤولية لا ينبغي التفريط بها، حافظوا على لغتكم، وكونوا صادقين مع أنفسكم لتحافظوا على الفن”.
زيارة شهريبانا كردي إلى روج آفا لم تكن واجباً، بل كانت عودة للروح إلى الجذور، وجسراً يربط بين الماضي المثقل بالنفي والحاضر المتشبث بالأمل، فمن خلال صوتها، أحيت الذاكرة، وجسدت نضالاً جماعياً، وأكدت أن الهوية الكردية لا تُمحى، بل تعيش وتزدهر في الأغنية والكلمة والصوت.