زاوية تحت السطر ـ هيفيدار خالد
شهدت مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا أحداثاً دامية، وما تزال الأوضاع غير مستقرة حتى الآن، وما يزال مصير أهالي المحافظة على المحك، في ظل التطورات التي يشهدها المشهد السياسي العام في البلاد. تعيش السويداء اليوم وضعاً إنسانيّاً كارثيّاً، وتحتاج إلى دعم وتضامن إقليمي ودولي على جميع الصعد. لقد تحوّل كل شيء في المدينة إلى خرابٍ ودمار نتيجة الاشتباكات التي اندلعت خلال الأيام القليلة الماضية، والتي خلّفت حالة من الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار، وسط أجواء من القلق والخوف والغضب والهلع، ولا سيما بعد إعلان الرئاسة الروحية للدروز أن السويداء مدينة منكوبة.
لا يمكن وصف النكبة التي تعرض لها الدروز خلال الأسبوع الماضي، فالمشاهد ومقاطع الفيديو التي انتشرت على نطاق واسع كانت مرعبة إلى حدٍ كبير، وتبعث الخوف في النفوس، فقد شهدت شوارع المدينة خراباً ودماراً كاملَين، مع وجود جثث في الأحياء والساحات، بينما أصبح الوضع الإنساني كارثيّاً للغاية، نتيجة الانتهاكات الجسيمة التي مارسها الحكومة الانتقالية في دمشق بحق الدروز هناك. ولا تزال خدمات المياه والكهرباء مقطوعة، بينما أغلقت الغالبية العظمى من المحال التجارية أبوابها في انتظار انتهاء الاشتباكات والتوترات التي تشهدها المحافظة بأكملها.
نعم، عادت مدينة السويداء إلى أهلها وشعبها الذي صمد في وجه كل من حاول النيل منها، وسعت إلى قمع الشعوب من الأعراق والأديان المختلفة في البلاد، وقد تمكنت السويداء من الثبات في وجه محاولات التصفية والسيطرة، بعزيمة لا تنطفئ وإرادة لا تُقهر، لتصبح مقاومتها لاحقاً صفعة في وجه المتربصين بها. الشعوب قد تصبر على كثير من الانتهاكات التي تمارسها السلطات بحقها، لكن التاريخ لا يرحم.
اليوم، يعيش جميع السوريين من جديد تحت وطأة العنف، نتيجة سياسات السلطة الجديدة في دمشق، والعمليات الإجرامية التي تستمر بلا توقف، مخلّفة وراءها كوارث إنسانية وآثاراً نفسية ومآسي مروّعة. وقد بدت مدينة السويداء، التي كانت شوارعها وأسواقها تنبض بالحياة قبل أسابيع قليلة، مدينة منكوبة، وأهلها لا حول لهم ولا قوة، أما الموقع والخصوصية التي طالما تمتع بها الدروز، فقد باتت مهددة بعواصف التغيرات والتوازنات الجديدة في المنطقة.
السويداء، المدينة المنكوبة في جنوب سوريا، تحاول لملمة جراحها وتضميدها بنفسها، في وقت لا يخلو فيه المستقبل من التحديات، كما نرى ونشهد يوميّاً، ولن تنهض السويداء إلا من خلال عدالة انتقالية حقيقية، ومحاسبة كل القتلة ومرتكبي الجرائم بحق المدنيين السوريين الأبرياء.
يتطلّب الواقع اليوم من جميع السوريين المشاركة في مسيرة إعادة البناء والنهوض، لا في السويداء أو الساحل السوري فقط، بل في جميع أنحاء سوريا. ومن المفيد التذكير هنا بأن سوريا لا يمكن أن تُبنى بعقلية الثأر والانتقام، بل بعقلية عصرية، تعددية، ديمقراطية، تحمي حقوق الجميع من دون إقصاء لأي طرف، فسوريا تحتاج إلى تطبيع العلاقات بين شعوبها الداخلية أكثر من حاجتها إلى التطبيع مع الجهات والأطراف الخارجية، وإلى إيجاد حلٍّ جذري للمعضلة السوريّة.