نسرين شيخو
محتل لم يفهم بالمصافحة والكلمة لم يعترف بالوجود والهوية، دفن ظل الكرد، التهم ضحكة أطفالهم، خلع الاسم قبل الولادة، نزع الحلم ومزّق الخيّال، محتلٌ ينكر حقيقة إن الشمس تبزغ من كردستان وتغرب وراء جبالها ولو أردتم أن تتعرفوا على حقيقة الدولة التركية “كن كردياً لساعة واحدة فقط” كما قال نيسلون مانديلا.
قصة إنسانية قديمة بقدم التاريخ والبشرية فتحت أعينها على الجبال والحقول استنشقت الهدوء والورد والسلام قبل البارود والرصاص، حملت في الذاكرة هويتها وصانتها من مخالب وخناجر طاعون العصر، نجت من الذبح لم تمت واختارت الصعود إلى الجبال لتنقش على صخورها اسم وطنٍ يحتضر بين أيدي الظلام يرون خضرتها تهديداً وجمالها ذنباً.
أعوامٌ وتجارب تخاض على ذرى تلك الجبال مرةً زغاريد احتفاءً بالنصر وضحكات تملأ الشقوق وكلماتٌ ناجية من الموت الأسود ومراتٌ رثاء وبكاء على رفاقهم، ولأنها حركة بدأت بالفكر والروح تصمد وتنهض.
بدأ بها شاب جميل ذو نظرات سماوية بريئة وفم ينطق بالحق، ويد لا تخاف أن ترفع السلاح أمام الضحاك الثانِي وإرادة وثقة لا تعرفان الهزيمة، الشهيد عكيد (معصوم قورقماز) حفيد النار والنور عنوان الحب والعشق للأرض والتاريخ الذي أعلن عن الكفاح المسلح بإطلاق الرصاصة الأولى، ليصيب مكر محتلٍ ناكرٍ ومستبدٍ ويقلع عين كل من لا يرى كردستان وينكر وجودها ويتجاهل حقيقتها.
أحيّا مرة أخرى برصاصته الروح الكردية ونهض بها، ولقّن العدو درساً بأن السلاح والموت علاج لمن ينكر ويتطاول على شعبه ويحاول إفناء تاريخٍ منغرس في جذور النشوء، ويعلمه بأن الحق إذا نهض لا يسقط وإن النضال لأجل كسب الحياة لا الحرية فقط، ولا جدوى من حياة بلا روح وأمل وما أغناه من حياة عندما يغني المرء بلغته ويعزف على الناي لتشرق الشمس من ألحانه ويضيء العالم بدفئه ونوره.
على خطاه سار الآلاف تركوا، جامعاتهم، حضن أمهاتهم، شغب أطفالهم، دفء منازلهم وامتشقوا السلاح وصعدوا إلى الجبال ليكملوا مسيرة البحث عن الحياة بروحٍ كردية، ونسجوا حكايات وقصصاً لو تروى لألف مرة لتفيض العين بالدمع وتنهض المشاعر لتقول “ثريٌ لأنني كرديٌ وصديقي الجبل والسلاح”.
خمسون عاماً حملوا كردستان على ظهورهم في فكرهم وخيالهم عاشوا كالبسطاء واستشهدوا كالعظماء رفضوا الخيانة رقصوا في الحرب كما في السلام، توسدوا السلاح والتحفوا بالتراب التصقت معدتهم بظهورهم لكن لمعة أعينهم لم تنطفئ يوماً، أرواحهم تشهق جبالاً وخطواتٍ أقدامهم تمحي سمّاً رشه العدو على النقاء والطبيعة لإخفاء الفن والجمال لإنهاء كردستان.
تعجر الأبجديات عن نقل ما عاشته الكريلا خلال 50 عام من ظروف قاسية بطيئة تشبه الذبح وعواصف تأكل الظلال ونيران تلتهم الوجود تنكر أهم قصة إنسانية خلقت في الحياة، واليوم تحارب لتكسبها احتضرت بين مخالب الزمن صارعت الموت لتبقى حيّة.
من أسسه اليوم يعلن حلّه، لأن يؤمن ويثق بأن الكلمة أقوى من الرصاصة، وإن الفكر لا يُكتب بالدم إنما بالوعي والعشق، وإن الحياة تعاش بأغنية لا بصرخة، وإن السلام حق والحب حق والحياة حق.
بمراسيم مُهيبة وفي ساحة كهف جاسنة التي شهدت على ملحمة حفيد ابن الشمس والنار (الملك شيخ محمود الحفيد البرزنجي) عندما لجأ إليها للاحتماء وإنقاذ ثورته من الإفناء بينما طاردته قنابل بريطانيا وخرج منه صدى صوت الحق، وضعت الكريلا السلاح في حضن النار ورفضت أن تضعه في قبضة عدو ألقى بالنيران على جبالهم وشعبهم.
أظن إنهم بهذا المشهد يعيدون بالذاكرة إلى ملحمة الثائرة بيريتـان، والتي حاربت حتى النفس الأخير لتكسر سلاحها وتلقي بنفسها من على قمة شكيف عند سفح جبل خاكورك وهي من أعلى القمم في جبال كردستان على أن تسلّم نفسها وتخون قضيتها.
كما إنها رسالة بأن السلاح الذي انتقموا به لشعبهم وأنين قضيته وهويته لا يسلّم للمحتل إنما يحترق ليلتهِم سناه حقداً أضمره محتل تجاه جذورٍ وتاريخٍ أطول من أعمارهم ويفضح عجزاً بأنهم لن يلمسوا نضالنا النقيّ وعشقنا لأرضنا والحرية.
ويصف القائد عبد الله أوجلان ومؤسس حزب العمال الكردستاني هذه الحركة بأنها تبدأ وتنتهي في الدماغ ولا يمكن إيقاف هذه الحركة بالسيف والسلاح.. إنه حادث روحي وإنساني إنها ثورة إنها حركة الروح.
وعن ولاء الكريلا لمؤسسها وعلى أساسه إجراء مراسم حرق السلاح تمت تلبيةً لندائه دون تردد، استشهد بقول القائد عبد الله أوجلان من كتابه المعنون بـ “(الكردي الحر هوية الشرق الأوسط الجديدة” والذي يؤكد خلاله بأن الشعب والقوات مستعدة أن تلحق به حتى لو كان بوصلته النار والفناء.
“عندما صُلب عيسى لم يستطِع المحيطون به سوى البكاء عليه رثاءً له، وعندما توفي محمد (ص) دارت النقاشات المحتدمة بصدد السلطة ثلاثة أيام متتالية وجثمانه لم يكن قد دُفن بعد وعندما قضى لينين نحبه لم يقتل أحد نفسه لأجله، ولكن عندما أكلت النار أبدان المئات من أبناء الشعب الكردي وبناته بعد اعتقالي وأسري وتسليمي.. ترى ما الذي كانوا يودون قوله بذلك؟ والذين جعلوا من أنفسهم قنابل متفجرة علام كانت نقمتهم وحنقهم؟ أية حقائق تلك التي تحثهم على القيام بذلك؟ كان الآلاف مستعدين لو لم أقم بذاتي بإعاقة الأمر”.
وهذا ما يظهر كم إنهم صادقون في قسمهم وعهدهم، وإنهم لن يترددوا في الإصغاء لمعلمهم لأنهم واثقون به ومؤمنين بالصميم بفكره ونهجه في بناء مجتمع ديمقراطي بكلمتهم في مراسم إتلاف السلاح “إننا مقتنعون تماماً بالجملة التي ذكرها القائد عبد الله أوجلان عندما قال إني أؤمن بقوة السياسة والسلم المجتمعي، لا بقوة السلاح؛ وأدعوكم إلى تطبيق هذا المبدأ عملياً”. وعليه، فنحن نشعر بالفخر والإباء كوننا نطبق هذا المبدأ التاريخي”.
لا تنحني لكم القامات فقط ،إنما الجبال والتاريخ والحياة والشمس، عكيدنا اليوم توّج كفاحنا المسلح بالنصر .. اليوم وأمام أعدائنا مرة أخرى نثبت بأن الروح الكردية لا تعرف الاستسلام ..القضية والهوية ستعزفان لحناً على سيوف الطغاة بأن الصوت الكردي لن يخفت والذاكرة لن تنسَى والحياة لن تموت والوجود لا يفنى والاسم لن يسلب وكردستان جغرافية لا تمحى من الخريطة، كردستان حقيقة قديمة مرسومة بريشة الآلهة منسوجة من خيوط الزمن ناجية من القسوة والذبح منحوتة على سلاح الكريلا على أوتار أصابعهم وعلى عظامهم وتحت جلودهم.