No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف – أكدت ممثلة مجلس سوريا الديمقراطية في مصر “ليلى موسى”، أنّ ثورة 19 تموز أحدثت تحولاً مجتمعياً عميقاً، أعادت تعريف مفاهيم الحكم والهوية، وجعلت المرأة فاعلاً رئيسياً في السياسة والمجتمع، وشددت على أن مشاركة المرأة جاءت لنضال طويل وليست صدفة، وأن تمكينها أساس لتحقيق السلام في سوريا، كما دعت إلى كتابة دستور ديمقراطي يضمن حقوق الجميع ويعالج مفرزات الاستبداد.
في الوقت الذي تعاني فيه سوريا من انسدادات سياسية، وانقسامات مجتمعية، تبقى ثورة 19 تموز في إقليم شمال وشرق سوريا حالة استثنائية في المشهد السوري، ليس لأنها فقط خلقت شكلاً جديداً من الإدارة السياسية، بل لأنها أيضاً أحدثت ثورة اجتماعية، كانت المرأة في قلبها، كمحرّك وفاعل ورمز للتحول.

هذا وقد سلطت ممثلة مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) في مصر “ليلى موسى”، الضوء على أهم ملامح هذه الثورة، وكيف تحوّلت إلى مشروع مجتمعي متكامل، أعاد صياغة مفاهيم الحكم، والهوية، والدور القيادي للمرأة في المجتمع والسياسة.
ثورة مجتمعية قبل أن تكون سياسية
إن ما يميّز ثورة 19 تموز عن غيرها من الثورات التي عرفها الشرق الأوسط خلال العقد الأخير، هو تحولها العميق في البنية المجتمعية، وليس فقط في الشعارات السياسية أو الهياكل الإدارية: “أية ثورة تفتقد إلى الثورة المجتمعية وما تتضمنه من تصحيح للمفاهيم وطرح مشروع فكري متكامل، عن طبيعة الحوكمة والإدارة والاقتصاد والبيئة والدفاع والأمن ودور المرأة والشبيبة، تبقى ثورة منقوصة، وتقود إلى المزيد من الفوضى”. وتشير إلى: “أنّ الثورة الحقيقية، هي تلك الثورة التي تعمل بالتوازي على الواقع الاجتماعي والسياسي، في إطار حتمية العلاقة الديالكتيكية بينهما. اتخذت ثورة 19 تموز هذه العلاقة بعين الاعتبار كبعد استراتيجي، والذي كان كفيلاً بأن يضمن عامل الاستمرار والثبات والقوة. واليوم ما نشاهده من تحالفات سواء في الداخل أو الخارج إلى جانب العملية التفاوضية بين الإدارة الذاتية والحكومة الانتقالية، نرى بأن هذه الثورة التي أنتجت الإدارة الذاتية، تحولت إلى رقم صعب في المعادلة السورية وبات من المستحيل تجاوزها”.
تابعت: “وذلك على خلاف ما شاهدناه من بعض المؤسسات على أنّها نتاج الثورة السورية، كيف أنها حلت نفسها ولم يتبقَ منها حتى اسمها، وانخرط طاقمها كأفراد في الحكومة الانتقالية، وبالتالي لم يترك لها أثر؛ لأنها لم تخلق أولاً ثورة على الصعيد المجتمعي، وظلت حكراً ضمن أطر فئوية ضيقة، والنقطة الأخرى والأهم هي أنها ظلت حبيسة الماضوية واجترار التجارب السابقة، متجاهلة خصائص وطبيعة المجتمع السوري ومتطلباته، وكذلك المستجدات والمتغيرات على الصعيد المحلي والاقليمي والدولي”.
إعادة تعريف مفاهيم الحكم والهوية
من أبرز تحولات ثورة 19 تموز، كما توضح ليلى، هو تصحيح المفاهيم المشوهة التي فرضتها أنظمة الحكم الشمولية، لا سيما فيما يتعلق بالحكم، المواطنة، والإدارة: “الثورة أزالت التشوّهات التي علقت بالمفاهيم نتيجة سنوات من القمع والاستبداد، وتسويغها بما يتلاءم مع أيديولوجياتها القائمة على احتكار السلطة والتفرد بها وضمان استمراريتها. إعادة التعريف بالمفاهيم القائمة على الحوكمة الرشيدة والإدارة التشاركية التكاملية والتي عمادها الفرد الحر”.
وتؤكد أن المشروع السياسي الذي انبثق عن ثورة 19 تموز رسّخ قيم أخوّة الشعوب وقبول الآخر، وهو ما جعل مناطق إقليم شمال وشرق سوريا بيئة قابلة لتعايش الشعوب القومية والدينية المختلفة، ضمن إطار مجتمعي أخلاقي.
المرأة العمود الفقري للثورة
لعل أهم ما تُجمع عليه الأدبيات السياسية والاجتماعية في تجربة إقليم شمال وشرق سوريا هو الدور القيادي للمرأة، وهو ما تؤيده ليلى بشكل قاطع: “المرأة لعبت دوراً ريادياً في ثورة 19 تموز، وهذا لم يكن حالة استثنائية مؤقتة، بل تعبير عن دورها الطبيعي في المجتمع”.
ولم يكن انخراط المرأة في السياسة معزولاً عن مشاركتها في المجالات الأخرى، من التعليم إلى الاقتصاد، ومن الدفاع إلى الإدارة، مشيرة إلى أنّ هذا الدور جاء لتراكم نضالي طويل، مبني على التأهيل والتنمية والتدريب، وليس فقط كرد فعل على الفراغ السياسي بعد الثورة.
ورغم القفزات النوعية التي حققتها المرأة في إقليم شمال وشرق سوريا، إلا أن التحديات ما تزال قائمة، خصوصاً في مواجهة “الموروث الثقافي البالي، والذهنية الذكورية، والأطماع التوسعية والاحتلالية الرافضة لدمقرطة سوريا، ولضمان مكتسبات ونجاحات المرأة في سوريا المستقبلية، نحن بحاجة إلى نقل هذه الثورة المجتمعية إلى باقي الجغرافية السورية، وضمان حقوقها دستورياً، ولتحقيق ذلك لا بدَّ من توحيد وتنسيق الجهود النسوية كلها والرفع من وتيرة النضال المشترك” وفق تعبيرها.
التمثيل السياسي واقع متفاوت
عند الحديث عن تمثيل المرأة في العملية السياسية، تُفرّق ليلى بين مستويين من الحضور: “المستوى الأول في مناطق الإدارة الذاتية حيث تشارك المرأة بشكل نوعي وفعّال في صنع القرار، وتمتلك مواقع قيادية حقيقية، أما المستوى الثاني في الحكومة الانتقالية وأقل ما يمكن القول عنه أنه غير كافٍ، لا من حيث التمثيل النسبي ولا النوعي، وهو ما يتطلب عملاً دؤوباً لتوسيع المشاركة النسوية وتوحيد الجهود النسوية على مستوى وطني”.
وفي قراءة ليلى لواقع الحل السياسي في سوريا، ترى أنّ البلاد لا تزال تمر بـ “مخاض التغيير”، وأن الثورة لم تحقق أهدافها كاملة، ما لم تُتوَّج بدستور ديمقراطي تشاركي، يصيغ مستقبلاً شاملاً يعالج مفرزات الاستبداد، ويلبي تطلعات الشعب وخصائص المجتمع السوري: “وهذا يحتاج إلى إرادة وقوى مؤمنة بالتغيير والديمقراطية. غير ذلك سوريا ستدخل مرحلة جديدة من الثورة، وليس من المستبعد أن تتحول إلى دولة، تهرب من شعبها وتهاجر للمنفى أو تعيش حرب داخلية أهلية وأزمة مستفحلة”.
وتلفت ليلى إلى أن تحرر المرأة شرط أساسي لتحقيق السلام، حيث لا يمكن الحديث عن استقرار سياسي أو مصالحة مجتمعية حقيقية طالما المرأة مهمشة أو مستبعدة من مواقع القرار: “بناء السلام والتنمية لا يكونان إلا من خلال استعادة المرأة دورها القيادي والطبيعي في المجتمع، ولا يمكن الحديث عن السلام طالما المرأة مهمشة ومستبعدة من مراكز صناعة القرار، وبكل تأكيد أن تحرر المجتمعات يبدأ من تحرر المرأة”.
مبادرات نسوية نحو حل شامل
رغم التحديات، تعمل ليلى مع عدد من النساء الناشطات ضمن تحالفات ومبادرات نسوية سورية، تهدف إلى إيجاد صوت نسائي موحد، يدفع باتجاه حل سياسي أكثر شمولاً وعدالة: “نحن نعمل على توسيع المبادرات النسوية وضم أكبر عدد ممكن من النساء السوريات المؤمنات بمجتمع حر، بعيد عن الهويات القومية والدينية المتطرفة”.
وثورة 19 تموز لم تكن فقط لحظة مفصلية في تاريخ شمال وشرق سوريا، بل هي أيضاً مشروع تغيير طويل الأمد، تجاوز السلاح إلى المجتمع، وتجاوز السياسة إلى إعادة تشكيل الوعي والهويات، وفي صلب هذا المشروع، المرأة لا تزال القوة التي تحوّلت من ضحية إلى قائدة، ومن هامش الصراع إلى مركز القرار.
No Result
View All Result