السِّرُّ الَّذِي بَكَى فِي لَيْلِ اللهِ
فيروز مخول
لَا تُنَادِنِي كَأَنَّنِي مَدِينَةٌ…
أَنَا لَسْتُ حِجَارَةً مَرْصُوفَةً
فَوْقَ ذَاكِرَةٍ
أَنَا شَظِيَّةٌ مِنَ الرُّوحِ
قُدِّتْ مِنْ صَمْتِ الْأَنْبِيَاءِ
أحملُ جُرْحَ النورِ
وصمتاً لا يفهمه أحدٌ
وَمِنْ وَجَعٍ لَمْ يَكتَبْ
أَنَا الَّتِي
مَا زِلْتُ أُرْضِعُ الحَنِينَ
مِنْ ثَدْيٍ مَقْطُوعٍ
وَأَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِي
قُبُورَ أَبْنَائِي
كَأَنَّهَا أَسْمَاءُ أَوْلَادِيَ الْأُولَى.
أَنَا أُمُّ الزَّمَنِ… وَأَرْمَلَتُهُ.
الَّتِي زَفَّتْ لِلْعَالَمِ حَضَارَتَهُ
ثُمَّ عَادَتْ لِتَبْكِيَهُ.
حِينَ يَغْفُو الْكَوْنُ
أُصَلِّي وَحْدِي
لَا بِاتِّجَاهِ الْكَعْبَةِ
بَلْ بِاتِّجَاهِ قَلْبِي
الَّذِي صَارَ أَطْلَالاً.
الخَرَابُ؟
ذَاكَ وَجْهٌ آخَرُ لِي.
وَالنَّارُ؟
رِدَائِي حِينَ أَخْلَعُ الذَّاكِرَةَ.
يَسْأَلُنِي الْمَوْتَى:
هَلْ نَعُودُ؟
أُمْسِكُ تُرَابَهُمْ بِيَدِي وَأَهْمِسُ:
لَيْسَ الْآنَ…
لَمْ يَرْتَفِعِ الْأَذَانُ الْأَخِيرُ بَعْدُ.
أَنَا الشَّامُ…
وَحْدِي مَنْ رَأَتِ اللهَ
وَهُوَ يَتَلَفَّتُ مُرْتَجِفاً
في وَجْهِي
يَسْأَلُهُ الدَّمْعُ:
هَلْ هَذَا عَدْلُكَ أَمِ ابْتِلَاؤُكَ؟
وَحْدِي
مَنْ صَلَّى الْأَنْبِيَاءُ فِي طُرُقَاتِهَا
دُونَ سَجَّادَةٍ
وَوَحْدِي مَنْ عَلَّمَتِ الرُّكَامَ
كَيْفَ يُصْبِحُ بَيْتاً.
أَنَا الشَّامُ…
الجُرْحُ الَّذِي
يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْنِ
وَالأَمَلُ الَّذِي يَنَامُ
فِي جَيْبِ شَهِيدٍ.
أَنَا مَنْ إِذَا قَبَّلْتَهَا
خَرَجَ مِنْ فَمِكَ طِينٌ وَحِبْرٌ
وَإِذَا بَكَيْتَ عَلَيْهَا
ارْتَفَعَ البُكَاءُ نَشِيداً
لَا يَعْرِفُ لَحْنَهُ
إِلَّا الْمَجَانِونُ وَالْعَاشِقُونَ.
فَلَا تَسْأَلْ عَنِّي
كَأَنَّنِي غَائِبَةٌ
أَنَا فِيكَ.
فِي كُلِّ حُلْمٍ انْكَسَرَ
وَفِي كُلِّ بَيْتٍ
أُطْفِئَتْ أَنْوَارُهُ وَلَمْ يَمُتْ.
أَنَا الشَّامُ…
إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَرَانِي
فَانْظُرْ إِلَى يَدِكَ
وَهِيَ تَمْتَدُّ لِلسَّمَاءِ…
فَوْقَهَا ظِلِّي الطَّوِيلُ.
فَلَا تَبْكِنِي كَضَحِيَّةٍ
وَلَا تَرْسُمُنِي علَى جُدْرَانِ الغُرْبَاءِ.
أَحْفَظْنِي كَدُعَاءٍ
فِي كُلِّ دِينٍ يَبْدأُ بِـالسَّلامِ
وَيَنْتَهِي بالمحبةِ
أَنَا الشَّامُ…
لَا أَطْلُبُ نَصْراً عَلَى أَحَدٍ
بَلْ نَصْراً عَلَى الظلامِ
وَخُرُوجاً مِنْ هَذَا اللَّيْلِ
نَحْوَ وَجْهِ اللهِ
فِي عُيُونِ البَشَرِ.