دجوار أحمد آغا
ونختتم في هذا القسم الأخير بمدى أهمية وعظمة هذا الأسلوب الجديد في المقاومة والنضال في حياة شعبنا الكردي بالدرجة الأولى، والذي كان على حافة الاندثار والتلاشي، خاصةً بعد القضاء على ثوراته التي قام بها في منتصف القرن العشرين، مع ظهور حركة الثوار الكرد والترك معاً تحت قيادة مفكر وقائد يتمتع ببعد نظر ورؤية ثاقبة للمستقبل، أصبح بإمكان الكرد أن يثبتوا وجودهم وذاتهم التي فقدوها، كما أن هؤلاء الثوار ومن خلال تأسيسهم حزباً من طراز جديد، حزب جاء بعد مرحلة استمرت لسنوات من النقاش الفكري وبناء الوعي والثقافة لدى هؤلاء الثوار الذين تركوا الجامعات وتوجهوا صوب كردستان والتي انطلقوا من فكرة أن “كردستان مستعمرة”.
وكانت دوماً هناك قفزات في تاريخ هذه الحركة، ولم يكن إطلاق القفزات بالأمر السهل، بل غالباً ما كان يواجه بصعوبات وعراقيل ليس فقط من جانب العدو المحتل بل حتى من جانب القوى الإصلاحية التي لم تكن تثق بقدرات شعبها ولا بنفسها، ولم يكن لديها بالأساس الاستعداد لمواجهة العدو المحتل، وقد ظهر أمثال هؤلاء خلال قفزة 14 تموز 1982 في سجن آمد أمثال (ممتاز قوتان، روشان أصلان، نظيف قلعة لي، وغيرهم)، هؤلاء الخونة الذين باعوا أنفسهم للمحتل التركي مثلهم مثل الخونة (شاهين دونمز، يلدرم مركيت، رسول آلتون أوك، وغيرهم)، الذين خانوا مبادئ الحزب وتضحيات الرفاق أمثال حقي قرار، مظلوم دوغان، محمد خيري دورموش، كمال بير وغيرهم. مقاومة 14 تموز كانت قفزة تاريخية وأصبحت الأساس الذي استندت إليها الكريلا في إطلاق قفزة 15 آب المفصلية في حياتنا.
استشهاد عاكف يلماز
وبعد استشهاد القائدين التاريخيين لحركة التحرر الكردستانية محمد خيري دورموش وكمال بير، كان دور “عاكف يلماز” تولد قارص 1950 أردهان قرية بشيك – شاش تاريخ الاستشهاد الساعة بين الرابعة والخامسة مساء يوم الأربعاء 15 أيلول 1982 في المشفى العسكري في آمد بعد الإضراب عن الطعام حتى الموت، مخلصاً لخط سير المقاومة ورفاقه رافضاً الاستسلام، انضم إلى قافلة الخالدين.
وعن استشهاد عاكف يلماز تحدث شاهد عيان مشارك في الإضراب عن الطعام حتى الموت المناضل مصطفى قره سو: “نقلوني الى المستشفى ووضعوني على السرير، رأيت الرفيق عاكف، سألته عن الأوضاع فقال: قبل عدة ساعات وعلى السرير الذي أنت عليه، استشهد الرفيق خيري. كانت الساعة وقتها حوالي الرابعة أو الخامسة صباحاً، لم يتحدث الرفيق عاكف عن نفسه، وعندما سألته عن الساعة اضطر أن يخبرني بأنه فقد الرؤية وكان قد أمضى 59 يوماً في الإضراب، حيث كان قد بدأ الاضراب متأخراً يومين عن باقي الرفاق”.
مقاومة علي جيجيك
وأصغر المقاومين علي جيجك، الأم سراي، الأب بكر، تولد حلوان 1961 تاريخ الاستشهاد الساعة 16 من يوم الجمعة 17 أيلول 1982 في المشفى العسكري في آمد أثناء الإضراب عن الطعام حتى الموت.
أيقونة المقاومة، كان محمد خيري دورموش يقول عنه “إن الرفيق علي هو نجمنا الأحمر”، الرفيق علي الذي قال مرة أثناء الإضراب لأحد المستسلمين والخونة الذين كانت تستخدمهم إدارة السجن جواسيس وخونة: “أنت عديم الشرف ومنحط الأخلاق، ماذا ستستفيد من أعمالك هذه، اذهب وأخبر الإدارة إننا ملتزمون بقرار الموت حتى النهاية، إن ما تقومون به هي حقارة كبيرة فالموت بشرف وكرامة كهذه لا يمكنكم وأمثالكم العثور عليه”.
أهمية مقاومة 14 تموز
كذروة مثلى لتنوير الحياة الحرة، وتطوير روح التصدي تجاه الممارسات الوحشية والتعتيم والتجريد من الهوية والتغرب عن الإنسانية، احتلت مقاومة 14 تموز مكانتها في تاريخ البشرية جمعاء. لعبت دور الجسر الذي عبر من خلاله الرفاق إلى مرحلة حرب الأنصار. أحيت الانبعاث الديمقراطي الوطني مقابل سياسات الإنكار والمحو. أعطى الرفاق خيري، كمال، عاكف، وعلي العدو والصديق درساً تاريخياً لا يُنسى وستتذكره الأجيال في كيفية خلق المقاومة من لا شيء وفي أصعب الظروف من خلال نكرات الذات في سبيل خلق هوية شرف وكرامة.
تكمن أهمية هذه المقاومة في كونها وقفت في وجه الخونة والتصفويين داخل أقبية السجون والمعتقلات مؤكّدة وقوفها بحزم وإصرار إلى جانب خط القائد عبد الله أوجلان ورفض الاستسلام للعدو رغم كل المغريات التي قدمتها إدارة السجن الفاشية. لقد خلق هؤلاء القادة مقاومتهم عبر إرادتهم الحرة وقدرتهم في التصدّي وفي أحلك الظروف ودون أن يمتلكوا أي شيء، لم يسمحوا للخيانة والظلام أن يسودا حتى داخل أقبية وزنازين السجون والمعتقلات.
ستبقى مقاومة 14 تموز خالدة
لن تستطيع أية قوة في العالم مهما كانت أن تنتزع روج مقاومة 14 تموز 1982 من عقولنا وقلوبنا لأنها وبكل بساطة حفرت اسمها بحروف مقدّسة ومن ذهب في تاريخ نصال شعبنا الكردي وبقية شعوب المنطقة والعالم. ستبقى مقولة محمد خيري دورموش أثناء الإضراب: “كردستان ستصبح فيتنام، لا تنسوا صيحات الناس أبداً” خالدة في أذهان الثائرين والمقاومين من أجل الحرية والكرامة ليس فقط في كردستان والشرق الأوسط، بل في مختلف بقاع العالم. وقد وصلت أخبار هذه المقاومة بفضل رفاق دربهم الذين استمروا في السير على فكر ونهج وفلسفة القائد أوجلان إلى مئات الملايين البشر حول العالم. يكفينا فخراً أن الآلاف من أبناء شعبنا والشعوب الصديقة حملوا أسماء حقي، مظلوم، خيري وكمال الذين أوقدوا شعلة حرية الشعوب بأجسادهم وأرواحهم الطاهرة الزكية لتعانق السماء.