روناهي/ الرقة ـ تعاني مدينة الرقة أزمة صرف صحي مزمنة بسبب انسدادات ناتجة عن تراكم النفايات وسوء الاستخدام. رغم نقص الموارد، تبذل الجهات المعنية جهوداً لتحسين الوضع بالتوعية والصيانة، مع دعوة الأهالي للمشاركة للحفاظ على نظافة المدينة ودعم العاملين.
في الوقت الذي تواجه فيه مدينة الرقة تحديات خدمية معقدة، تبرز مشكلة الصرف الصحي كواحدة من أبرز الأزمات التي تمس حياة المواطنين اليومية، وتنعكس على الصحة العامة والبيئة وسير الحركة في الشوارع. ورغم اتساع مظاهر الطفح في بعض الأحياء، فإن الصورة لا تخلو من جهود واضحة تبذلها الجهات المعنية والعاملون الميدانيون لتخفيف وقع الأزمة، وسط معوقات متشابكة، بعضها فني وآخر يعود لسلوكيات المجتمع ذاته.
الطفح المتكرر لمياه الصرف الصحي
تبرز مشاهد من الطفح المتكرر لمياه الصرف الصحي في شوارع مدينة الرقة، حيث تختلط المياه الآسنة بالأتربة وتشكل بركاً يصعب تجاوزها، وتنبعث منها روائح كريهة تنذر بالخطر.
وفي هذا الصدد يقول المواطن “فهد الأسعد”: “نعيش وسط هذه المجاري التي لم تعد تحتمل، الشارع أشبه بمستنقع، وكل موسم أمطار يتحول إلى كارثة”.
ولكن اللافت في حديث الأهالي أن بعض الحالات كانت نتيجة انسدادات غير ناتجة عن خلل في الشبكة، بل بسبب تراكم النفايات المنزلية وسكب الزيوت والمواد الصلبة في الأحواض، وهي ممارسات تفاقم الضغط على شبكة الصرف، وتعيق عمل فرق الصيانة التي تضطر للعمل لساعات طويلة لإزالة الانسدادات اليدوية.
عمل صامت في ظروفٍ صعبة
ومن جانبهم، لا يخفي الفنيون والعمال في ورشات الصرف الصحي في بلدية الشعب في الرقة صعوبة المهمة، خاصةً في ظل غياب المعدات المتطورة، وشح الموارد، وتزايد حجم الأعطال، حيث يؤكد مشرف أحد الفرق الميدانية والمهندس “أحمد حسن“: “لدينا نقص في قطع الغيار والمضخات، ومع ذلك نقوم بجولات يومية لمعالجة ما نستطيع، بعض الأعطال سببها سوء الاستخدام المنزلي، وليس فقط قِدم الشبكة”.
وتظهر سجلات الفرق الفنية إن العديد من البلاغات التي يتم تلقيها مرتبطة بإلقاء المواد الصلبة داخل الأحواض، أو ربط خطوط صرف عشوائية من قبل الأهالي دون تنسيق مع الجهة المسؤولة، ما يؤدي إلى اختلاط مياه الصرف في غير مساراتها، وانفجار بعض الخطوط نتيجة الضغط غير المحسوب.
دور الأهالي في تعميق الأزمة
ورغم مشروعية الاستياء الشعبي، إلا أن عدداً من التقييمات الميدانية أكدت أن سلوكيات غير مدروسة من الأهالي ساهمت بنسبة ملحوظة في تفاقم الوضع، يقول أحد مراقبي الصرف في بلدية الشعب بالرقة: “نحن نواجه يومياً انسدادات سببها بقايا طعام، زيوت، ومواد بناء تسكب داخل الأحواض، هذا السلوك غير مسؤول ويستهلك وقت فرق الصيانة”.
ولوحظ في بعض المناطق تخريب متعمد لأغطية الصرف أو استخدامها كمواقع لإلقاء القمامة، ما يدفع البلدية إلى تكرار العمل على النقطة ذاتها عدة مرات في الشهر، على حساب مناطق أخرى بحاجة للصيانة الهيكلية.
الحلول التي بدأت تتشكل
ورغم تعقيدات الأزمة، باشرت الجهات المعنية بعدة خطوات إصلاحية تستحق التقدير، منها: إطلاق حملات توعوية في المدارس والجوامع والمراكز الاجتماعية حول الاستخدام الصحيح لشبكة الصرف. تشكيل لجان أحياء للتواصل المباشر مع فرق الصيانة وتبليغ الأعطال بشكل نظامي. وبدء عمليات استبدال جزئي لبعض خطوط الصرف في أحياء الرميلة والنهضة عبر التمويل المحلي والمتطوعين.
وقد أسفرت هذه الخطوات عن تحسن ملموس في بعض المواقع، وانخفاض معدل البلاغات بنسبة 25% خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، وفقاً لإحصائية حديثة لدائرة الخدمات العامة.
التحديات أمام التنفيذ الكامل
ومع اتساع الرقعة الجغرافية، تواجه فرق الصرف عقبات كبيرة، منها: ضعف الميزانية التشغيلية وتباطؤ إجراءات التمويل من الجهات المركزية، وغياب المعدات الثقيلة التي يمكنها إنجاز أعمال الحفر والاستبدال بسرعة، ونقص الكوادر الفنية المدربة ونقص البرامج التخصصية، ولكن رغم هذه التحديات، لا تزال الجهود قائمة والعمل مستمر، بدافع المسؤولية وأهمية تدارك الأضرار قبل أن تتفاقم في فصل الشتاء القادم.
دعوة للمشاركة المجتمعية
يرى العديد من المراقبين أن أي حل مستدام لا يمكن أن يكون فعالاً دون مشاركة حقيقية من الأهالي، عبر نشر ثقافة الاستخدام الصحيح وتجنّب السلوكيات الضارة، والمساهمة في تنظيم حملات تنظيف تطوعية للحد من تراكم القمامة، والتبليغ عن أي أعمال ربط غير قانوني أو تخريب لأغطية الصرف.
ويشدد المسؤولون على أهمية التعاون في استقبال الفرق الميدانية، وتسهيل حركتها، وعدم عرقلة أعمالها بحجج شخصية أو مواقف فردية.
وفي نهاية المطاف، تبقى أزمة الصرف الصحي في الرقة تحدياً متعدد الأبعاد، لا يمكن تحميله لطرفٍ واحد، بل هو نتاج تراكمات وتقاعس مشترك من الجهات والمؤسسات والأفراد، لكن في المقابل، تتوافر فرص حقيقية للحل عبر تفعيل التوعية، ودعم العاملين، وتعزيز التنسيق، وتحمل المجتمع لمسؤوليته.
ولا شك إن العاملين الميدانيين، رغم قلة الإمكانات، يبذلون جهوداً صادقة تستحق التقدير، ويحتاجون إلى دعمٍ أكبر، لا سيما من السكان أنفسهم، فالرقة لا يمكن أن تنهض إلا بيد أبنائها وبالتزامهم، لتعود مدينة نظيفة، آمنة، تنعم بخدمات تليق بكرامة أهلها وتاريخها العريق.