No Result
View All Result
آناهيد قصابيان
في المسار الطويل والمعقد لثورة 19 تموز، لم يكن صعود المرأة السياسي نتيجة ظرف طارئ أو حاجة عابرة، بل كان خلاصة مشروع تحرري ونتاج وعي جمعي بأنّ لا حرية لمجتمع تُقصى فيه نصف طاقته.
ومن قلب شمال وشرق سوريا، خرجت المرأة السياسية تحمل على كتفيها، ليس فقط آلام الماضي، بل آمال أمة كاملة في إعادة صياغة الدولة والمجتمع والعقد الاجتماعي.
لقد استطاعت المرأة السياسية الكردية والسريانية والعربية والأرمنية، أن تفرض حضورها داخلياً، وأن تمتد خارجياً لتكون سفيرة قضية عادلة، وصوتاً سياسياً متماسكاً لا يُقصى ولا يُحتوى.
المرأة السياسية خارج سوريا.. حاملة للقضية وصانعة للحضور الدولي
في سنوات الثورة، لم تبقَ المرأة السياسية محصورة في الجغرافيا السورية، بل انطلقت نحو الخارج تحمل معها قضية شعبها، متسلحة بخطاب قائم على الحقوق، والتعدد، والمساواة.
شاركت في المؤتمرات الدولية، وجلسات الاستماع في البرلمان الأوروبي، وفي الأمم المتحدة، والتقت بدبلوماسيين من واشنطن إلى باريس، ومن موسكو إلى برلين.
ما ميّز هذا الحضور، أنّ المرأة لم تطلب المساعدة بوصفها ضحية، بل قدمت مشروعاً سياسياً واضحاً:
ـ الاعتراف بالإدارة الذاتية كنموذج ديمقراطي.
ـ تثبيت مبدأ التمثيل المتساوي للمرأة (50%).
ـ دعم الحل السياسي في سوريا على أساس اللامركزية والعدالة الجندرية.
هذا الحضور الخارجي لم يكن عابراً، بل أدّى إلى بناء شبكات تضامن أممية نسوية، رسّخت صورة المرأة السورية الثورية كمثال عالمي.
مواجهة الحكومة الانتقالية.. الدفاع عن المشاركة لا التبعية
في اللحظة التي بدأ فيها الحديث عن الحكومة الانتقالية كبديل للنظام، حاولت بعض القوى إعادة إنتاج نفس البنية الذكورية والسلطوية التي أوصلت البلاد إلى الهاوية.
تمّ تغييب النساء، وتقزيم دور الشعوب، وخاصة الشعوب غير المركزية كالكرد والسريان، وتجاهلت القوى الانتقالية التعدد السوري الحقيقي. لكن؛ المرأة السياسية في إقليم شمال وشرق سوريا واجهت هذا النهج بكل وضوح، رافضة أن تكون شاهدة زور على صفقات إقصائية: لن تكون هناك شرعية بدون تمثيل المرأة، ولن يكون هناك حل سوري عادل دون الاعتراف بكل الشعوب وحقها في الإدارة الذاتية والمشاركة المتساوية.
هكذا، لم تصمت المرأة، بل واجهت، وجعلت من تمثيل المرأة بنسبة 50% في أي حل سياسي قادم شرطاً غير قابل للتفاوض.
التطلعات السياسية للمرأة.. سوريا تعددية لا مركزية عادلة
لم تكتفِ المرأة السياسية بتقديم الاعتراض، بل قدّمت البديل، وكان البديل واضحاً ومتماسكاً: سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية، تضمن لكل شعب حقه في الإدارة والثقافة واللغة.
نظام سياسي يقوم على المشاركة المجتمعية لا الهيمنة المركزية، ودستور يقرّ بالمساواة بين الجنسين، ويمنع التمييز ضد المرأة قانونياً وسياسياً.
كانت هذه الرؤية تُطرح من خلال لقاءات ووفود، ومنصات حوارية، وتحركات إعلامية مدروسة، تقودها نساء بخبرة عالية، مثلما فعلت إلهام أحمد، وبروين إبراهيم، وغيرهن ممن دافعن عن المشروع الديمقراطي ليس فقط بوصفه خياراً سياسياً، بل بوصفه ضمانة لحرية المرأة والشعب معاً.
المشاركة في الحوار الوطني.. من الحضور إلى التأثير
حين طُرحت مبادرة “ملتقى الحوار السوري – السوري”، شاركت المرأة بقوة، ليس فقط عبر مقاعد التمثيل، بل عبر بلورة الاتجاهات والنتائج.
في جلسات الحوار التي عقدت في مناطق الإدارة الذاتية وخارجها، كانت النساء هنّ الأكثر استعداداً للتفاهم والتقاطع مع الآخر. قدّمن أوراق عمل، وصغن مقترحات، وأدرن النقاشات بمرونة عالية.
وقد شهدت تلك الحوارات لحظة تاريخية فارقة، حين اتفق الملتقى على مبدأ المساواة بين الجنسين في أي صيغة حكم قادمة، وعلى ضرورة تثبيت تمثيل المرأة بنسبة 50% في كل الهيئات. تلك اللحظة لم تكن تنازلاً من أحد، بل انتصاراً لخط سياسي نسائي ناضج، حمل خطاباً توحيدياً يوازن بين التعدد والعدالة.
استراتيجية المرأة السياسية.. التحول من المشاركة إلى القيادة
أبرز ما ميّز مسيرة المرأة السياسية في ثورة 19 تموز هو انتقالها من المشاركة الرمزية إلى الموقع القيادي الحقيقي.
استند هذا التحول إلى:
ـ إرادة تنظيمية قوية عبر بناء مؤسسات نسائية سياسية.
ـ تكامل بين الممارسة السياسية والفكر التحرري، المستند إلى فلسفة الجنولوجيا (علم المرأة).
ـ خطاب سياسي أخلاقي يربط بين العدالة، الحرية، والعيش المشترك.
ولعلّ أبرز معالم هذه الاستراتيجية هو الإصرار على بناء سوريا من القاعدة نحو القمة، لا من المركز نحو الأطراف، بحيث يكون لكل مدينة، ولكل امرأة، ولكل شعب، حق في رسم المصير.
المرأة السياسية صانعة اللحظة السورية الجديدة
اليوم، لا يمكن التفكير في سوريا المستقبل دون استحضار الدور البنيوي الذي أدته المرأة السياسية في العقد الماضي. لقد قاومت التهميش، وخاطبت العالم، وواجهت الذهنية الذكورية، وقدّمت بديلاً ناضجاً وواقعياً.
المرأة السياسية في ثورة 19 تموز ليست استثناءً، بل بداية معيار جديد لبناء السياسة على أساس الشراكة لا السيطرة، والمساواة لا الإقصاء، والحوار لا الإخضاع.
إن لحظة الاعتراف بنسبة 50% للنساء ليست لحظة إنصاف فقط، بل لحظة تأسيس لوطن جديد يولد من قلب امرأة حرة
No Result
View All Result