No Result
View All Result
قامشلو/ ملاك علي – في ظلّ التحولات السياسية والاجتماعية التي تعصف بسوريا منذ أكثر من عقد، تبرز المرأة السريانية كشريك فاعل في النضال من أجل الحقوق، والسلام، وبناء مجتمع ديمقراطي تعددي، من قلب هذه التحديات، تصدح أصوات نساء ينتمين إلى حضارة ضاربة في عمق التاريخ، ليقدن مسيرة تحرر اجتماعي وثقافي، تثبت أن المرأة ليست فقط ضحية الأزمات، بل أيضاً صانعة الحلول وبانية المستقبل.
في هذا السياق، شهدت مدينة قامشلو مؤخراً انعقاد مؤتمر “سوريتو” أول مؤتمر نسوي موحد يجمع نساء الشعب السرياني الآشوري الكلداني، ويهدف إلى تأسيس رؤية جماعية تتناول قضايا الهوية، والحقوق، والنضال النسوي في مواجهة التحديات البنيوية داخل المجتمع.
محطة مفصلية في نضال المرأة السريانية
ومن هنا أوضحت مسؤولة الاتحاد النسائي السرياني في سوريا “جورجيت برصومو”، وهي من المشاركات والناشطات في مؤتمر “سوريتو”، الذي انعقد يوم السبت 12 تموز الجاري، أنّ المؤتمر يُمثّل محطة هامة ومفصلية في تاريخ المرأة السريانية الآشورية الكلدانية، ورغم أنه قد يبدو في الظاهر فعالية عابرة، إلا أنّه في جوهره لحظة تعبير صريحة عن الألم، الذي عاناه هذا الشعب في الماضي، والظروف التي يعيشها في الحاضر، إلى جانب رؤيته الجماعية نحو المستقبل.
وقالت جورجيت: “في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها وطننا وشعبنا في الداخل والمهجر، أصبح من الضروري حدوث هذا التلاقي بين نساء شعبنا، ليكنّ صاحبات موقف، ويلعبن دوراً جدياً باعتبارهن محور المجتمع وشريكات فعّالات في مختلف نواحي الحياة، وخصوصاً النضالية منها”.
وأضافت، أن المؤتمر يُعد لحظة تاريخية لأنه الأول من نوعه الذي يجمع مختلف تسميات الشعب “السرياني، الآشوري، والكلداني”، وهو نقطة تحوّل نحو مرحلة جديدة، يتم خلالها طرح القضايا الجوهرية بعمق، في الحوار والآراء والحلول، ومواجهة المفاهيم المغلوطة والتصرفات والإقصاء الذي تتعرض له هذه الشعوب. وأشارت جورجيت إلى أنه من الأهداف الأساسية للمؤتمر تأسيس هيئة نسوية جامعة، تضم مختلف المؤسسات النسوية، وتستوعب الشخصيات المستقلة، والشبيبة، والنساء الحزبيات، والأكاديميات، ونساء الكنيسة. وأن هذه الهيئة ستكون مظلة تمثيلية للمرأة “السوريتو”، مؤكدة أن المؤتمر مناسبة لرفض الذهنية الذكورية والمنظومة الأبوية التي تميز الرجل على حساب المرأة.
وتابعت: “أردنا من خلال المؤتمر إيصال صوتنا إلى الدول الكبرى، والجهات الدولية والإقليمية، والمنظمات الحقوقية، لمطالبتهم بتحمّل مسؤولياتهم الأخلاقية والتاريخية تجاه شعبنا السرياني الآشوري، الذي يعاني منذ عقود من التهجير والاضطهاد والتمييز والإبادات الجماعية والمجازر، حيث رفعنا صوتنا ضد الصمت الدولي، الذي يُهدد الوجود الحضاري لهذا الشعب”.
أبرزت جورجيت أهمية تولي المرأة دورها، وتمكين نفسها في مجالات الحياة، لا سيما في المجال العسكري، حيث لعبت المرأة السريانية دوراً محورياً في قوى الأمن الداخلي (السوتورو)، ومجلس نساء بيث نهرين العسكري، وكذلك مجلس قوات بيث نهرين العسكري.
وبينت: “المرأة السريانية عندما ارتدت الزي العسكري وشاركت في جبهات القتال ضد مرتزقة داعش الإرهابي، أحدثت تحولاً جذرياً في فكر المرأة ودورها، وأثبتت أنها قادرة على الدفاع عن نفسها وشعبها وأرضها وكرامتها”.
وأكدت جورجيت أن المؤتمر هدف أيضاً إلى إيصال صوت المرأة ومطالبها، وحقها في اتخاذ القرار حول حياتها ومصيرها، بعيداً عن أي وصاية ذكورية، مطالبةً بأن يعبر شعبها عن حقوقه بنفسه، وأن يدافع عنها من دون أن يكون تابعاً لأي جهة.
المرأة السريانية في قلب التحول الديمقراطي
كما شددت على ضرورة مواجهة التطرف وخطابات الكراهية والتمييز الموجهة ضد الشعوب والقوميات والديانات في المنطقة، ورفع الوعي المجتمعي حيال الكوارث الناجمة عن الهجرة والتهجير القسري، والتغيير الديمغرافي والتاريخي، وتوثيق كافة الانتهاكات التي تُمارس ضد شعبهم والشعوب الأخرى في المنطقة.
أعلنت جورجيت أن المؤتمر اختُتم ببيان رسمي أكّد على جميع هذه المبادئ، وكانت الخطوة القادمة هي التوجّه نحو تشكيل مجلس يضم كل نساء الشعب السرياني الآشوري الكلداني، لتوحيد الرؤية والعمل تحت مظلة واحدة. وركزت على عمق الجذور الحضارية للمرأة السريانية، التي تعود لأكثر من 7000 عام، مشيرة إلى دورها التاريخي في الحضارات السومرية، والبابلية، والآشورية، والآرامية، والمسيحية، فقد كانت قائدة، وإلهة، وراهبة، ومغنية، وعالمة، ولا تزال حتى اليوم مثقفة، محبة للعلم والتطور، قادرة على التكيّف وتحمل المسؤولية، واندماجها في المجتمع لا يواجه عوائق ثقافية بل يتحفز بإرادة حقيقية.
كما تطرقت جورجيت إلى أنّ الأزمة السورية مثلت لحظة مفصلية في تاريخ المرأة السريانية، حيث انتقلت من الأدوار المدنية إلى العسكرية، في تجربة غير مسبوقة، فأصبحت المرأة بنت الكنيسة تقاتل على الجبهات، وتدافع عن وجود شعبها، كما تطورت تجربتها لتشمل العمل السياسي والدبلوماسي، حتى أصبحت اليوم حاضرة في كل المنابر الوطنية والإقليمية والدولية، حاملةً خطاباً سياسياً قوياً وواثقاً.
اعتبرت جورجيت، أن تجربة المرأة في إقليم شمال وشرق سوريا ضمن الإدارة الذاتية الديمقراطية، وبالتعاون مع المرأة الكردية والعربية، كانت تجربة فريدة ومتميزة، أثبتت إمكانية توحيد الشعوب الأصلية في المنطقة على أساس الفكر المشترك، والإرادة الواحدة، والنضال الجماعي، بما يؤدي إلى تشكيل مؤسسات تنظيمية قادرة على الدفاع عن الحقوق وتحقيق الأمن والاستقرار.
وأردفت أن هذه التجربة ساهمت في كسر شوكة مرتزقة داعش، والتصدي لانتهاكاته، كما أن التحديات والحروب لم تُضعف المرأة، بل زادتها قوة وعزيمة، بفضل التنسيق الفعّال بين نساء الشعوب الثلاث “السريانية، والكردية، والعربية”.
ترى جورجيت، أن سوريا تمر بمرحلة انتقالية بعد سقوط حكم الأسد، نحو نمط جديد من التفكير والحكم، معربة عن أملها بأن تتفهم الحكومة القادمة معاناة جميع الشعب السوري، وأن تنتهج اللامركزية كوسيلة لتحقيق العدالة والتمثيل الحقيقي للمواطنين، كل في منطقته. وقالت: “نحن نأمل أن تتجه سوريا الجديدة إلى الاعتراف بالتجربة الإدارية لإقليم شمال وشرق سوريا، باعتبارها من أنجح التجارب القائمة حالياً في البلاد، لما توفره من مشاركة شعبية واسعة، وتمكين فعلي للشعوب، وعلى رأسها المرأة”.
وشدّدت “جورجيت برصومو”، في ختام حديثها إلى أن المرأة السريانية اليوم لا يمكن أن تعود إلى الوراء، بعدما خاضت تجربة رائدة، دفعت فيها ثمناً باهظاً من التضحيات والدماء، من أجل تحقيق الأمن والكرامة والحقوق: “نؤمن أن اللامركزية هي الطريق لضمان الحقوق المتساوية، ومنح الشعوب، وعلى رأسها المرأة، القدرة على قيادة نفسها واتخاذ القرار بمصيرها ومجتمعها”.
مؤتمر السوريتو.. صرخة تُعبر عن آلام الماضي
ومن جانبها، أكدت عضوة الاتحاد النسائي السرياني في سوريا “صباح شابو”، أن مستقبل الشعب السرياني مرهون بتحرر وتنظيم المرأة، مشيرةً إلى أن مؤتمر المرأة السوريتو العالمي الذي انعقد مؤخراً جاء تحت شعار: “لا مساواة بدون العدالة، ولا عدالة بدون المرأة”. وأن هذا المؤتمر لم يكن مجرد نشاط نسوي عابر، بل كان صرخة تعبّر عن آلام الماضي، وحقائق الحاضر، وأحلام المستقبل، وهو يمثل مرحلة جديدة وسط التحديات المصيرية التي تهدد الهوية القومية والدينية للشعب السرياني.
أوضحت صباح، أن للمرأة السريانية دوراً بارزاً في المجال السياسي، حيث شاركت في الندوات والحوارات العالمية، ورفعت صوتها على المنابر الدولية للمطالبة بحقوقها كامرأة وحقوق شعبها السرياني، وأضافت أن هذا الدور لم يقتصر على السياسة فقط، بل شمل الجانب العسكري أيضاً، حيث شاركت في صفوف قوات نساء بيث نهرين وسوتورو المرأة، وقاتلت جنباً إلى جنب مع النساء الكرديات والعربيات دفاعاً عن الأرض والكرامة.
وفي معرض حديثها عن معركة المرأة السريانية ضد مرتزقة داعش، قالت صباح: “واجهت المرأة السريانية تهديدات داعش بإرادة صلبة، لم تخف من الموت، بل وقفت حاملةً السلاح بيد، والصليب في اليد الأخرى. كان إيمانها بأن الله مع كل صالح، هو مصدر قوتها وشجاعتها”.
نضال مشترك من أجل الحرية والعدالة
وتابعت، أن المرأة السريانية ناضلت حتى الشهادة لتحرير الأرض من الإرهاب، وأثبتت قدرتها على مواجهة أقسى التنظيمات الإرهابية. كما انحنت إجلالاً لدماء الشهيدات السريانيات اللواتي قدمن حياتهن دفاعاً عن الوطن والهوية.
وأكدت صباح، أن المشاركة والتكاتف بين النساء السريانيات، والكرديات، والعربيات، لم يكن مجرد تحالف مؤقت، بل نتاج معاناة وظلم مشترك. فكل شكل من أشكال العنف، والقتل أو الذبح الذي تعرضت له امرأة من أي شعب، كانت المرأة السريانية تشعر به ألماً شخصياً: “لا فرق في الظلم بين المرأة السريانية أو الكردية أو العربية، فعندما استشهدت النساء على هذه الأرض، اختلطت دماؤهن في نهر واحد، هو نهر الحرية من الظلم والإرهاب”.
وأتبعت، أن أهم إنجاز لهذا التكاتف النسوي هو النصر الحقيقي الذي تحقق على مرتزقة داعش، والذي لم يكن ليتحقق لولا وحدة النساء في الدفاع عن الأرض والمجتمع.
انتقدت صباح ما وصفته بـ تهميش المرأة بعد سقوط النظام البعثي وتسلم سلطة هيئة تحرير الشام مقاليد السلطة مشيرة إلى أن مسودة الإعلان الدستوري لم تتضمن ضمانات حقيقية لمشاركة المرأة، كما أن تعيين وزيرة واحدة فقط من بين 23 حقيبة وزارية هو انعكاس واضح لهذا التهميش.
ونوهت إلى أن المرأة السريانية المسيحية كانت ولا تزال شريكة فعالة ضمن نضال نساء سوريا، ولذلك كان انعقاد مؤتمر المرأة السوريتو من أبرز النتائج التنظيمية والسياسية، الذي يسعى إلى ضمان موقع للمرأة في الحكومة التورية والإدارات المحلية.
واختتمت؛ عضوة الاتحاد السرياني “صباح شابو” حديثها بالإشارة إلى أن مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، في إقليم شمال وشرق سوريا، القائم على ميثاق العقد الاجتماعي، يمثل تجربة رائدة، حيث يمنح المشروع الحقوق للشعوب القومية والدينية، ويؤمن بـ الشمولية والمشاركة، ويكرس وجود المرأة في مواقع القرار من خلال نظام الرئاسة المشتركة، ومشاركتها الفعالة في الإدارات كافة: “إن هذا المشروع يؤمن بالديمقراطية، ويدعو إلى التعاون والتشاركية، ويمنح الحرية واحترام الحقوق للطوائف الدينية والقومية، إنه مشروع متكامل قد يكون الأساس الحقيقي لبناء سوريا جديدة عادلة”.
No Result
View All Result