دجوار أحمد آغا
ذكرنا في القسم الأول عن كيفية انطلاق مجموعة من المثقفين الثوريين الكرد والترك تحت قيادة القائد “عبد الله أوجلان” من مفهوم “كردستان مستعمرة” للعمل من أجل تحرير هذا الشعب، الذي عانى الويلات خلال مسيرة تاريخه النضالي الممتد لمئات السنين في مواجهة الغزاة والمحتلين.
قدم شعب كردستان مئات الآلاف من الشهداء، وتعرض لمئات المجازر والمذابح الوحشية والهمجية على يد الغزاة والمحتلين؛ بهدف إبادته بعد أن عجزوا عن إخضاعه لسيطرتهم، وكما قال الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري في قصيدته “كردستان يا موطن الأبطال” عن الشعب الكردي: “شعبٌ دعائمه الجماجم والدمُ تتحطم الدنيا ولا يتحطمُ”.
فالكرد شعب مستعد لتقديم قرابين على مذابح الحرية، لن يستسلم مهما كانت التضحيات جسيمة، ولا بد أن ينتصر في نهاية المطاف مهما كلف الأمر، سوف نتابع في هذا القسم التحدث عن كيفية مقاومة أبناء وبنات هذا الشعب تحت قيادة القائد، والمفكر عبد الله أوجلان ليصلوا في نهاية الأمر الى تحقيق الحرية والسلام والديمقراطية عبر الانتصار على العدو المحتل.
تطور الكفاح الثوري وانتشاره
وبعد أن تم وضع اللبنة الأولى، وهي النظرية الثورية التي انطلقت من فكرة أن كردستان مستعمرة، قرر الرفاق الانتشار في ربوع هذه المستعمرة منطلقين من مقولة “كمال بير” التي يقول فيها: “تحرر الشعب التركي يمر ببوابة تحرر الشعب الكردي”، وقد أثبت التاريخ صحة هذه المقولة، العام 1977 كان عام الانطلاق والتجول في أرجاء كردستان بهدف الدعاية، حيث كانت محطة القائد الأولى في (آكري وبيازيد)، والتي ذهب إليهما برفقة الطيار “نجاتي كايا” الذي كان ينحدر من بلدة “تاشلي جاي” التابعة لولاية آكري.
استمر القائد بعدها في تجواله حيث زار (قارص، ديغور، ديرسم، جولك “بينغول”، ألازغ، آمد “ديار بكر”، ماردين، الرها “أورفا”، ديلوك “عنتاب”) كما انتشر بقية رفاق الحركة في مناطق باكور كردستان ينشرون الوعي والحس الوطني بين الجماهير التي كانت متعطشة للتوعية وبحاجة ماسة الى طليعة ثورية تقوم باستنهاض الهمم وتشحذها، وهكذا من خلال هذه الجولات تطور الكفاح الثوري وانتشر بين صفوف الجماهير الكردستانية.
اغتيال حقي قرار 18 أيار 1977
وبعد تزايد نفوذ الرفاق بين الجماهير في مختلف مدن وبلدات باكور كردستان، بدأت أجهزة السلطة الفاشية بتعقب الرفاق، والسعي إلى النيل منهم سواء بشكل مباشر عبر حملات المداهمات والاعتقالات، أو من خلال عملائها الخونة الذين باعوا أنفسهم للمحتل التركي بثمن بخس، كان الرفيق حقي قرار القادم من مدينة أوردو على ضفاف البحر الأسود وهو من شعب اللاز، بعد أن تعرّف على القائد “عبد الله أوجلان” وأصبح أحد أقرب رفاقه والأكثر تأثراً بفكر القائد، ينشط وبقوة بين الجماهير الكادحة خاصة في مدينة ديلوك الكردستانية “عنتاب”، لكن القوى العميلة لأجهزة الدولة العميقة في تركيا، ومن خلال تنظيم ما يُسمى بـ “النجمة الحمراء” حيث وضعت كمين غادر لحقي قرار في أحد مقاهي مدينة ديلوك، وتم اغتياله بدم بارد في 18 أيار 1977، وقد تأثر القائد عبد الله أوجلان كثيراً باستشهاد حقي قر ار الذي كان بمثابة “روحه الخفية”، وقد وصفه القائد بقوله: “منذ اللحظة التي فهم فيها ثورة كردستان، ترك دراسته الجامعية دون تردد، وكأنه حمل سريره على ظهره، وتوجّه إلى وطن لم يعرفه من قبل، في وقت لم يكن يملك فيه حتى خمسة قروش، عمل أحياناً كعاملٍ بسيط خلال أيام الثورة، وكانت ملابسه ممزقة دائماً، ولم يكن يأكل سوى وجبة واحدة، هي وجبة الإفطار، لكنه كان مصدر إلهام لمن حوله، متغلباً على كل المصاعب، ولم يشعر من كانوا معه كيف تمر الأيام بجواره”.
تأسيس حزب العمال الكردستاني
وكان الرد على عملية اغتيال حقي قرار عبارة عن قفزة من القفزات التاريخية التي قام بها القائد عبد الله أوجلان خلال مسيرته النضالية، ساد غضب شديد بين رفاق الحركة بعد عملية الاغتيال، وطالبوا بالانتقام من القتلة وذهب البعض منهم الى حد خطف وقتل ضباط كبار من الجيش التركي انتقاماً لاستشهاد الرفيق حقي قرار، حتى أن قسم من الرفاق قال، إنهم على استعداد لخطف “صبيحة كوكجان” ابنة مصطفى كمال بالتبني والمرأة الأولى في تركيا التي تقود طيارة وقتلها انتقاماً، لكن القائد عبدالله أوجلان كان له رؤية ثاقبة وبُعد نظر، وأخبر الرفاق بأن أفضل انتقام لاستشهاد الرفيق حقي قرار هو الاستمرار في السير على طريقه والعمل على بناء التنظيم الثوري، الذي كان يؤمن به وهو حزب العمال الكردستاني، وبالفعل تم الإعلان عن تأسيس الحزب بتاريخ 27 تشرين الثاني 1978 في قرية “فيس” التابعة لناحية “لجي” في ولاية آمد “ديار بكر”، تم الإعلان عن يوم 18 أيار “يوم الشهداء”، ليصبح أيار شهراً لتكريم من ضحّوا بحياتهم في سبيل الحرية.
انقلاب 12 أيلول 1980
وأعلن عنها الأمريكيون، “لقد فعلوها أولادنا”، وقال البعض “لقد نجح صبياننا” والقصد هنا هو نجاح الانقلاب العسكري الذي قاده كنعان إيفرين بدعم كبير من الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت على علم به منذ البداية ومن لم يعش تلك الأيام، لن يشعر بما عانه الشعب خلال تلك الحقبة السوداء من تاريخ تركيا الحديث. فهذا الانقلاب جاء على خلفية شبه الانفتاح الديمقراطي في البلاد وانتعاش الديمقراطية نوعا ما، وصعود اليسار الثوري قليلاً الى الأمام بعد التعاطف الكبير الذي حصده نتيجة الاعدامات التي طالت قادته خلال بداية السبعينيات، بالإضافة الى تصاعد الحركة الكردية من خلال تأسيس حزب العمال الكردستاني وانتشار عناصره في المدن والأرياف الكردية بشكل كثيف، إلى جانب الأهمية الكبرى التي كانت تعلقها الولايات المتحدة الأمريكية على تركيا كونها على تخوم الاتحاد السوفيتي خاصة بعد دخول السوفييت الى أفغانستان، وحسب خطة مستشار الأمن القومي وقتها “زبغينو بريجينسكي” المعروفة بنظرية “الحزام الأخضر”.
وكل هذه الأمور مجتمعة دفعت العسكر إلى القيام بضربة عسكرية للسيطرة على مقاليد الحكم بصورة سريعة والعودة إلى النظام الصارم حيث بدأ بفرض الأحكام العرفية وعمليات الاعتقالات وغيرها.
تبعات انقلاب 12 أيلول
التداعيات كانت كبيرة جداً، وخيم شبح الموت فوق سماء تركيا، تم إلغاء البرلمان وتعليق العمل بالدستور، بحسب الإحصائيات الرسمية ذلك الوقت، فقد تم اعتقال أكثر من 650 ألف مواطن وحكمت المحاكم بالإعدام على المئات بينما تمت المئات من عمليات الاغتيال، التي تم تسجيلها تحت بند “فاعل مجهول” علماً بأن الأجهزة الأمنية والعسكرية هي التي كانت تقوم بذلك.
لم تعد السجون والمعتقلات تكفي، فاتخذ قادة الانقلاب المدارس مراكز اعتقال، أغلب الذين تم اعتقالهم كانوا من أنصار وكوادر حزب العمال الكردستاني الحديث النشوء، وجرى تعذيبهم بشدة مفرطة، مما دفع بهم إلى القيام بالإضراب عن الطعام حتى الموت، وبالفعل شارك عشرات الآلاف من أنصار وقادة الحزب المعتقلون بهذا الإضراب الذي انطلق في 14 تموز 1982 بعد سنتين من التعذيب الهمجي وخاصة في سجن آمد “ديار بكر” العسكري السيء الصيت، هذا السجن الذي مجرد ذكر اسمه كان يُثير الخوف والرعب في قلوب المعارضين والمريدين على حد سواء.