محمد عيسى
في يوم الخامس عشر من آب عام 1984، دوّى صوت الطلقات الأولى في شرناخ وآمد، مُعلناً انطلاق مرحلة جديدة في تاريخ النضال الكردي المعاصر، مرحلة الكفاح المسلح التي قادها حزب العمال الكردستاني (PKK) بعد أعوام من الكفاح السياسي والفكري والاجتماعي الذي اصطدم بجدار الإنكار والتهميش والقمع التركي. لكنّ؛ هذا الخيار لم يكن لحظة انفعال، بل جاء ضرورة تاريخية واستراتيجية اضطرارية، نتيجة عقود من الاستعمار الداخلي وسياسات الصهر القومي والقمع المنهجي التي مورست ضدّ الشعب الكردي في كردستان الشمالية. واليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على انطلاقة الحزب، يُسدل الستار على مرحلة البندقية، ليرفع الحزب راية الكلمة والسياسة، مستجيباً لنداء القائد عبد الله أوجلان، ومعلناً من جبال كردستان في أيار 2025 بدء مرحلة النضال السياسي الديمقراطي.
“كردستان مستعمرة”
في ربيع عام 1973، وأثناء احتفالات نوروز في أنقرة، صدح الطالب الكردي الثوري عبد الله أوجلان بعبارة كانت بمثابة الشرارة الفكرية الأولى التي أشعلت فتيل الثورة الكردية الحديثة: “كردستان مستمرة”. لم تكن العبارة توصيفاً سياسياً، بل إعلانًا جذريًا عن واقعٍ تاريخيّ سعى النظام التركي إلى طمسه لعقود، وعكست وعياً سياسياً متقدماً لدى الشبيبة الكردية التي بدأت تدرك عمق التناقضات بين هوية شعبها وسياسات الدولة التركية الإقصائية.
وبعد خمس سنوات من الحوارات الفكرية والتنظيمات الطلابية السرية، أُسِّس حزب العمال الكردستاني في 27 تشرين الثاني 1978 في قرية فيس التابعة لولاية آمد، بمشاركة 22 شاباً وشابة، على رأسهم القائد عبد الله أوجلان والشهيدة ساكينة جانسيز ورفاق من غير الكرد أيضاً، في إشارة مبكرة لطبيعة الحزب العابر للهويات القومية الضيقة. كان التأسيس وفاءً لمسيرة الشهيد حقي قرار، الشاب اللازي الذي اغتيل في مدينة عنتاب على يد استخبارات الدولة التركية، بسبب دفاعه عن وحدة نضال الشعوب.
ضرورة وليس خياراً
منذ لحظة التأسيس، لم يكن الكفاح المسلح خيار الحزب الأول، بل كانت الأولوية للنضال السياسي والاجتماعي، ومحاولة خلق وعي جمعيّ يقود إلى التغيير الديمقراطي من الداخل. لكنّ؛ تركيا الدولة، بمؤسساتها الأمنية والقضائية والتعليمية، اختارت التصعيد، فشنّت حملة قمعية شرسة ضد المناضلين الكرد، من اعتقالات جماعية إلى عمليات تعذيب ممنهجة، ومنع استخدام اللغة الكردية، وصولاً إلى تصفية الناشطين علناً وسراً.
في هذا المناخ الدموي، أدركت قيادة الحزب أنّ الدولة التركية ليست مستعدة لأي حوار أو انفتاح ديمقراطي، وأنّ البقاء في إطار النضال السياسي السلمي في تلك الظروف، يعني الإعدام البطيء للحركة الناشئة. فكان القرار المصيري: بدء الكفاح المسلح وسيلة للوجود، وليس غاية. وفي 15 آب 1984، انطلقت أولى العمليات العسكرية ضد نقاط تركية في شرناخ وآمد، معلنةً بداية مقاومة شعبٍ رفض أن يُدفن حيّاً.
منذ انطلاقة الكفاح المسلح وحتى بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، خاضت قوات الكريلا التابعة لحزب العمال الكردستاني مقاومة مستمرة ضدّ جيش النظام التركي، شملت جبال كردستان من هكاري إلى دهوك، ومن آكري إلى ديرسم. كانت حرباً غير متكافئة، بين جيش مدجج بأحدث الأسلحة والدعم الأطلسي، وبين مقاتلين ومقاتلات بالكاد يمتلكون قوت يومهم، لكنهم يملكون ما هو أثمن: الإيمان بعدالة قضيتهم.
وحسب إحصاءات غير رسمية، فإن أكثر من 40 ألف إنسان استشهدوا خلال هذه الحرب، أغلبهم من المدنيين الكرد، فيما تعرضت نحو 3000 قرية كردية للتهجير القسري والحرق، ضمن سياسات الأرض المحروقة التي اتبعتها الدولة التركية، وتم تهجير قرابة ثلاثة ملايين كردي إلى مدن الغرب التركي أو إلى خارج البلاد، في أكبر عملية هندسة ديموغرافية عرفتها الجمهورية التركية بعد مجازر الأرمن.
سلام من خلف الجدران
في 15 شباط 1999، وبمؤامرة دولية معقدة شاركت فيها عدة أجهزة استخبارات غربية وإقليمية، جرى اختطاف القائد عبد الله أوجلان من العاصمة الكينية نيروبي، بعد ترحال قسري دام شهوراً بين موسكو وأثينا وروما، انتهى بتسليمه إلى السلطات التركية، التي أودعته سجن جزيرة إيمرالي في بحر مرمرة. كانت الدولة التركية تظن أنّها بذلك وجهت الضربة القاضية لحزب العمال الكردستاني، وأنّ اعتقال قائده سينهي الحركة من جذورها. لكن؛ الحسابات خابت؛ فما حسبته الدولة “عزلاً”، تحوّل إلى مصدر إشعاع فكريّ وسياسيّ متجدد.
من خلف جدران إيمرالي، لم يصمت القائد عبد الله أوجلان، بل حوّل السجن منبراً للحوار والنقد وإعادة بناء المشروع السياسي الكردي. هناك، بلور نظرية “الأمة الديمقراطية” و”الكونفدرالية الديمقراطية”، كبدائل عن الدولة القومية، وطرح حلولاً شاملة لمعضلات الشرق الأوسط، لا تقتصر على القضية الكردية فحسب، بل تشمل قضايا التعددية، المساواة، والعدالة الاجتماعية.
في عام 1993، وقبل اختطافه بستّ سنوات، كان القائد أوجلان قد دعا إلى أول وقف لإطلاق النار من جانب واحد، رغبةً في فتح باب الحل السياسي. لكن؛ الدولة التركية رفضت اليد الممدودة واستمرت في التصعيد. وبعد سنوات من الاعتقال، وفي آذار 2013، أطلق القائد مبادرة تاريخية من سجنه، دعا فيها قوات الكريلا إلى الانسحاب من الأراضي التركية، تجاوباً مع مساعي السلام، وهو ما تمّ فعلاً. ومع ذلك، رفضت الحكومة التركية تنفيذ التزاماتها، وأجهضت المسار التفاوضي، لتندلع جولة جديدة من العنف في صيف 2015.
حتى عام 2016، سعت بعض القوى المدنية والوسطاء إلى إعادة إحياء عملية السلام، وطرحت مبادرات غير رسمية لوقف إطلاق النار، بدعم من حزب الشعوب الديمقراطي (HDP)، لكن الدولة التركية تجاهلتها تماماً، وواصلت سياسات القمع والإنكار، رافضة أي حل لا يقوم على الهيمنة العسكرية.
حين تعود الكلمة لتقود السلام
في 27 شباط 2025، وعقب سنوات من العزلة المشددة التي فُرضت على القائد في إيمرالي، جاء النداء الذي انتظره ملايين الكرد: نداء للسلام والتحول الديمقراطي. دعا القائد إلى إنهاء مرحلة الكفاح المسلح، والانخراط في مسار سياسي شامل، إنّ “الزمن زمن العقل والتنظيم، لا زمن البندقية”، مؤكداً أنّ الكفاح المسلح كان وسيلة اضطرارية، لكنها لم تعد مناسبة في المرحلة الجديدة من النضال.
هذا النداء لم يأتِ من فراغ، بل جاء تتويجاً للقاءات أجراها وفد حزب “المساواة وديمقراطيّة الشعوب” (DEM PARTI) مع القائد في 28 كانون الأول 2024 و22 كانون الثاني 2025، حيث جرى بحث مسارات جديدة للخروج من حالة الجمود السياسي، وتفعيل أدوات النضال السلمي عبر العمل البرلماني، البلدي، الثقافي، والتنظيم المجتمعي.
واستجابةً لنداء القائد عبد الله أوجلان؛ عقد حزب العمال الكردستاني مؤتمره الثاني عشر في جبال كردستان بين الخامس والسابع أيار 2025، بمشاركة 232 مندوباً من مختلف الهيئات التنظيمية. في هذا المؤتمر التاريخي، اتُخذ القرار الرسمي بإنهاء مرحلة الكفاح المسلح، والانطلاق في مرحلة جديدة عنوانها “النضال السياسي الديمقراطي”.
جاء في البيان الختامي للمؤتمر: “لقد أُسِّس الحزب في زمن القمع والإنكار، واستمر في مقاومته لنحو خمسة عقود. واليوم، وبعد أن نجحنا في كسر جدار الصمت، وإيصال صوت الشعب الكردي إلى العالم، نُعلن أننا أنجزنا مهمتنا التاريخية، وأن المرحلة الجديدة تقوم على الحوار، والمواطنة المتساوية، والمشاركة السياسية”. كان هذا البيان بمثابة إعلان رسمي لانتهاء مرحلة البندقية، وبدء مرحلة الكلمة.
حين تتحدث البنادق بصمت
في 11 تموز 2025، داخل كهف “جسانة” قرب مدينة دوكان في باشور كردستان، جرت مراسم تاريخية لتفكيك الأسلحة، أشرفت عليها قوات الأسايش، بمشاركة نحو 40 مقاتلاً من “مجموعة السلام والمجتمع الديمقراطي”. أتت هذه الخطوة استجابةً لدعوة القائد عبد الله أوجلان في 19 حزيران، وأعقبها بث رسالة مرئية له في التاسع من تموز، أكد فيها أنّ “مرحلة الكفاح المسلح انتهت”، ودعا البرلمان التركي إلى تأسيس لجنة تشريعية لمتابعة مرحلة ما بعد التسليح.
وخلال المراسم، أعلنت المجموعة بياناً رسمياً جاء فيه أنّ “النضال لم يكن سهلاً، لكنه أفرز قناعات راسخة بأنّ السلام العادل لا يُصنع بالبندقية، بل بالحوار”، مؤكدة أن التحول إلى النضال السياسي هو خيار استراتيجي وليس تراجعاً. ودعت المجموعة النساء والشباب، وكافة فئات المجتمع، إلى فهم طبيعة هذه المرحلة والانخراط في بناء نظام ديمقراطي حر.
وشدد البيان على أن تصاعد الفاشية عالمياً وتحول الشرق الأوسط إلى ساحة صراعات دامية، يزيد الحاجة إلى نموذج سياسي سلمي ومتساوٍ، ما يجعل هذه الخطوة ضرورة تاريخية. كما طالبت المجموعة القوى الإقليمية والدولية بتحمّل مسؤولياتها ودعم الحل الديمقراطي للقضية الكردية، ووقف التواطؤ مع سياسات الإقصاء والقمع.
وأكدت المجموعة أهمية مشروع “السلام والمجتمع الديمقراطي” الذي طرحه القائد أوجلان، وضرورة ترسيخه عبر التعليم والتنظيم والانخراط المدني، لدفع الحياة الديمقراطية إلى الأمام. واختُتم البيان بالتأكيد على أن “القمع والاستغلال سينتهيان، والحرية والتضامن سينتصران”، معربة عن إيمانها الراسخ بنجاح مسيرة السلام.
واليوم، ومع تسليم الجبال لراية النضال السياسي، تبدأ مرحلة جديدة من المواجهة الفكرية والتنظيمية، لا تمليها الهزيمة بل الوعي المتراكم. ويبقى الرهان على التقاط هذه اللحظة التاريخية قبل أن تضيع، فمثل هذه الفرص لا تأتي كثيراً.
وفي هذا السياق، يبقى السؤال الأهم: هل ستلتقط الدولة التركية هذه اللحظة التاريخية؟ هل ستفهم أنّ الاعتراف بالشعب الكردي ليس تهديداً، بل ضمانة لبناء وطن ديمقراطي موحد؟ أم ستستمر في سياسات الإنكار والقمع التي جرّت البلاد إلى دائرة الدم لعقود؟
في الأحوال كلها، فإن حزب العمال الكردستاني، بقيادة فكر القائد عبد الله أوجلان، فتح صفحة جديدة، وعلى الدولة التركية والقوى الإقليمية والدولية أن تُدرك أهمية هذه اللحظة، لأنها قد لا تتكرر.