حوار/ مصطفى الخليل، ماهر زكريا –
تلعب البيئة المحيطة من طبيعة خلابة ومناظر آسرة، والمآسي والأفراح في أكثر الأحيان الدور الأساسي والأهم في حياة الشعراء، ولمحيط الشاعر الذي ينتمي إليه التأثر الأهم، حيث يكون الجبل أو القرية أو المدينة هي مصدر إلهام لكثير من شعراء الحب والمقاومة، وبخاصة أولئك الذين هُجِّروا قسراً من مناطقهم؛ حيث نجد الشاعر تؤرقه اللوعة في الغياب عن منازل الطفولة وريعان الشباب فلا يجد له سبيلاً للهرب من واقعه، إلا نظم أبيات الشعر ليمجد تللك المنطقة أو ليحدث الناس عما أصابه فأغلب الشعراء لجأوا للشعر نتيجة عدم قدرتهم للعودة لما يربطهم بذلك المكان أو ليس بمقدورهم إعادة الزمن إلى الوراء، فتراهم متمسكون بجذورهم وأرضهم وأحبائهم أو إن الذكرى أوهنت جسدهم في الغربة وأصابهم المرض.
من هنا كان للبيئة الفراتية تأثيرها في الشعراء الذين تغنوا بالطبيعة الفراتية وجمالها، وهم مازالوا في أرضهم ثابتين فيها رغم ماحل بها من مآسي، كان للشعر الفراتي في منطقة حوض الفرات دور كبير في حياة الفراتي، الذي يعيش على ضفاف نهره الذي أصبح في فترة من الفترات موضوع قصائد للكثير منهم، ولكن خلال فترة سيطرة مرتزقة داعش على المنطقة أثر ذلك على الحياة الاجتماعية، وانهمك الناس في تأمين لقمة العيش والأمان، إضافة إلى منع داعش لجميع أشكال الأدب والفن والجمال، ولذا كان الشعراء والشعر في تلك المنطقة بمرحلة انحسار خوفاً من المضايقات التي يلقاها الأدباء والمثقفين في المجتمع، ومنهم الشعراء الذين انطووا على أنفسهم ومنهم الذي كبت مواهبه وأحاسيسه حفاظاً على حياته.
وبعد تحرير منطقة الطبقة على يد قوات سوريا الديمقراطية، عملت الإدارة المدنية الديمقراطية لمنطقة الطبقة على تشجيع حركة الثقافة والأدب بأنواعها المختلفة، من شعر ونثر ورسم وغيرها حيث وجد المثقفون والشعراء متنفساً لمواهبهم، فقد تم افتتاح مركز للثقافة والفن في الطبقة وتم تشكيل لجنة تحضيرية لاتحاد مثقفي منطقة الطبقة.
وللتعرف على واقع الشعر والشاعر الفراتي أكثر، وعلى التطورات التي حصلت في مجال الشعر ودور الشاعر في المجتمع كان لصحيفتنا حوار مع الشاعر “عبود حسن الكرين” ابن بلدة المنصورة الواقعة على نهر الفرات والتي تتربع قرب بادية الرصافة حيث كان الشاعر ينهل من بيئتين هما بيئة الفرات وبيئة البادية وكان هذا الحوار:
ـ لو نتحدث في البداية عن حال الشعر والشعراء إبَّان سيطرة داعش على المنطقة؟
فترة حكم داعش كان ما أفقدت الشاعر النور، والنور هو أحد مكونات القصيدة الأساسية حيث أن الشاعر هو “الدومري” أو حامل المصباح كما سُمى قديماً، غُيّب هذا المصباح شكلياً في تلك المرحلة. إلا أنه كان حبيساً في صدر الشاعر ينير داخله ويقرع جرس الشعر فيه ويستحثه للإبداع، والإبداع يولد من رحم المعاناة، كنت ألقي الشعر وكانت ضلوعي هي الجمهور وقلبي هو المصفق الوحيد بتلك الممارسة كنت أتغلب على مضايقاتهم.
ـ أية أنشطة ثقافية كان بإمكانكم متابعتها في ظلِّ ذلك المنع والجهل الأسود؟
طبعاً كان هناك بعض الأصدقاء من أصحاب الثقة ممن يستهوون الشعر، وكنا نتبادل القصائد على شكل سهرات ضيقة جداً على شكل (تعليلة الاسم المحلي للسهرة) كانت الأبواب موصدة والأصوات هامسة خوفاً من أن تتسرب أصواتنا للغرباء، فكل اشكال الفن والادب والثقافة كانت من المحظورات.
ـ كيف صور الشاعر النصر والتحرير في شعره بعد طرد الإرهاب من المنطقة؟
كالصبح بعد ليل طويل وكالربيع بعد سنين المحل، هو نقلة في الحياة ربما أحسسنا بعجز الكلمات في وصفها، وهذا صورته في كثير من قصائدي:
“أرعدي وأمطري يا غيمة الحرية
أمطري بعد حرّ الشمس والشّوب
وأروي أراضي بلادنا الديمقراطية
وانبتي بالزهر من إخوّة الشعوب“
ـ بعد تحرير المنطقة وفتح المجال للشعراء والمثقفين لإظهار مواهبهم الثقافية ماذا قدمتم؟
كان لدي عدة مشاركات وكنت حاضراً في كل المناسبات والفعاليات الثقافية، مثلا حضرت في الملتقى الأول للشعراء والأدباء في الطبقة وشاركت في ملتقى أقامته إذاعة صوت الرقة في عين عيسى، وشاركت في الملتقى الثاني في الجرنية وكنت مستضيفاً ومشاركاً في الملتقى الثالث في بلدتي المنصورة، وشاركت في ملتقيين للجنة التحضيرية لاتحاد المثقفين والتي أنا عضوا فيها، وشاركت في الحملة الترفيهية في مخيم الطويحينة التي أقامتها دار المرأة، وشاركت مع حزب سوريا المستقبل في عدة حملات توعوية وترفيهية في عدة قرى ومدن. وأيضاً كنت مساهما في تأمين وتحضير الأزياء والمنسوجات التراثية وتأمين بيوت الشعر ومستلزماتها كونها موجودة في محيطي.
ـ ما نظرة الشعراء لمعنى الشهادة وكيف عمل الشاعر على تخليد ذكرى الشهداء؟
لن نستطيع أن نعطي الشهيد حقه مهما تكلمنا وكتبنا عنه، إلا أنني استطيع أن أقول أن كل ما نقوم به الآن وما نحن فيه هو بسبب تضحيات هؤلاء الناس، وعلينا أن نضع أمام أعيننا ان لا تذهب هذا التضحيات هباء، لذلك نعاهدهم أن نبني بلدنا كما أرادوا، وأن ننشر المحبة والتعايش بين الشعوب، ونذود عن هذه المكتسبات كلاً حسب مكانه ودوره، فالشاعر بالكلمة والتوعية واستنهاض المجتمع وإنارة الطريق، كما هو المقاتل بسلاحه، والمهندس في بنائه والطبيب في عيادته، والفلاح في حرثه، وقد كان الشهيد حاضراً في كل مناسبة وقصيدة:
“يا دارنا دار الوطن دار الأجداد
أخاطبك يا دار في بوح وقصيد
تاريخ شعبك حافلٍ كله أمجاد
ومسوّرة يا دار في دم الشهيد”
ـ ما دور الشعراء والأدباء في المقاومة والوقوف في وجه التهديدات والعدوان؟
الشاعر دائماً يحمل هموم الأمة ويحسُّ بالأخطار المحدقة ويقرع جرس الإنذار؛ بالتصدي والصمود، كذلك يبعث الأمل والتفاؤل في قلوب الناس ويشحذ الهمم وهذا الأمر موجود على مر العصور، حيث إن للشاعر دوراً هاماً في استنهاض الهمم، فالشاعر صوت الناس وهو يجيد توجيه البوصلة ويضع يده على الجرح دائماً وأقول في هذه المناسبة:
“ما نسلمها أبد لأحلام الأوغاد
اللي حلموا بدارنا يجنو حصيد
أحلامهم وأضغاثهم راحت رماد
عبرة إلنا. وتاريخ للي يستفيد
كم جيوشٍ مرت بهذي البلاد
جرت أذيال الهزايم بالحديد
والجنود اللي أيديها ع الزناد
في حدودك تحرس الحصن العتيد”
ـ كيف أثرت بيئة وثقافة حوض الفرات في شعرك، وأنت ابن منطقة الفرات؟
لا شك إن الشاعر ابن بيئته، وعلى الصعيد الشخصي أنا أنتمي إلى بيئتين متداخلتين وقريبتين جداً من بعضهما البعض هما البيئة الريفية المتمثلة في نهر الفرات وألوانه الغنائية، وصوره الجميلة المتمثلة بالماء والخضرة، وزقزقة العصافير وطيبة الفلاح، وصوت الماء. وبيئة البادية المتمثلة بالصحراء والقهوة العربية وحركة الجمال وصهيل الفرس وشبَّة النار ووصف الغزال، وأجد نفسي في البيئة الأخيرة أكثر، فقد كتبت الشعر النبطي إلى جانب إلمامي بالشعر الفراتي وألوانه وقد تغزلت بمدينتي الرقة وتاريخها الأصيل. فكتبت:
“قالوا للبلد حق
وحق البلد ما مات
وما دروا
أن البلد في وسط عيني يبات
رقتي مزيونةٍ
غنوجةٍ تهوى الرقاد
ما تعنى ولا انطوى
لغيرها نهر الفرات
والجسر بيني وبينها
يرسم وداد
والجبل من فوقها
شامخٍ مثل العباة
وجعبر
يا قلعةٍ كلها عناد
منارة الإسلام
بأيام الغزاة
والبتاني من قبل
علمٍ وزاد
والرصافة للظبى
احلى فلاة“
ـ ما هي رسالتكم للمهتمين بالثقافة والأدب وكيف ستعود حركة الثقافة لسابق عهدها؟
أولاً بالنسبة للإدارة الذاتية قدمت كل التسهيلات للمثقفين والأدباء فقد أنشأت المراكز الثقافية في كل المناطق وأقامت العديد من الفعاليات والبرامج والأمسيات، وتبنت المواهب الصاعدة وفسحت المجال للشعراء، فقدمت بذلك منبرً حراً لكل من يجد في نفسه القدرة على الإبداع، لذلك أصبح للشاعر جهة تتبناه وتسلط عليه الأضواء فهذه اعتبرها فرصة كبيرة لم تتحقق سابقاً، أما بالنسبة للشعراء فأقول لهم اليوم أصبح الطريق معبداً امامكم وعليكم دور كبير في توعية الناس وإضفاء الأمل الذي كان مفقودا لديهم، والشاعر هو الشمعة التي تزيل الظلام والسواد من المجتمع نحن بحاجة لإبداعاتكم وأفكاركم وبحاجة لتلاقح الأفكار لبناء مجتمع حر متقدم.