حمزة حرب
محاولات سحق أحلام الديمقراطيّة تحت وطأة وابل من الأزمات التي تحيط بمناطق الإدارة الذاتيّة لم تنتهِ من قبل كل الأطراف فمنذ أن أُعلنت الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة في شمال وشرق سوريا، لم تهدأ مساعي إجهاض هذا المشروع وعلى رأس أعداء الإدارة الذاتيّة الاحتلال التركيّ، والنظام السوريّ السابق الذي تخطو الحكومة الانتقاليّة الحالية على خطواته حالياً والذي لم يتقبل إلى الآن وجود تجربةٍ خارجة عن عباءة المركزيّة القاتمة.
فالإدارة الذاتيّة اليوم أمام تحدياتٍ كبيرةٍ تحيط بها من كلِّ حدبٍ وصوب، ومنذ اللحظة الأولى لم تنظر أنقرة إلى الإدارة الذاتيّة كمجرد تجربة محليّة بل كخطر استراتيجيّ يهدد عمقها القوميّ المقيت فلم توفر فرصة لمعاداتها وإبرام الصفقات المحليّة والإقليمية لوأد هذا المشروع في المهد فتعاونها مع مرتزقة داعش ودعمها للمجموعات المرتزقة وشنها اعتداءات على مناطق شمال وشرق سوريا لم يهدأ حتى اليوم وبعد سقوط النظام تعرقل دولة الاحتلال بتأثيرها المطلق على الحكومة الانتقاليّة؛ أي مساعي للتقارب بين الجانبين من خلال بث خطاب الكراهية ومحاولة شيطنة التجربة الديمقراطيّة.
حروب ومقايضات
مرتزقة داعش الإرهابية كانت العصا الغليظة التي استخدمتها دولة الاحتلال لفرض هيمنتها وأطماعها التوسعيّة في المنطقة، حيث كشفت تقارير عدة حجم التنسيق والتعاون بين دولة الاحتلال التي فتحت مطاراتها وحدودها أمام أفواج الإرهابيين والمرتزقة للدخول إلى سوريا وتنفيذ مخططاتها ضد الشعب السوريّ إلى جانب النظام السابق الذي كان بدوره لا يقوى على حماية الشعب السوريّ ويقايض بهم متى ضاقت به السبل. لذا؛ فإنَّ شعوب شمال وشرق سوريا كانوا يقظين لمثل هذه المخططات وبدأوا ثورتهم في الـ 19 من تموز لعام 2012 انطلاقًا من مدينة كوباني حين تمكنت القوى المحليّة المنظمة من أبناء وبنات المدينة، من طرد أجهزة النظام السوريّ من المدينة دون اللجوء إلى العنف أو الصدام المسلح المباشر، وبذلك استُعيدت مؤسسات الدولة لتدار ذاتيّاً من قبل السكان وتشكل نواة للإدارة الذاتيّة في عموم شمال وشرق سوريا.
وفي عام 2014 كان مرتزقة داعش في أوجِ قوتهم بعد أن تلقوا كل أسس القوة والدعم اللامتناهي من الاحتلال التركيّ حاول وأد هذه التجربة في مهدها وحاصروا كوباني لتعلن مقاومة شرسة واستبسال منقطع النظير وتنطلق من أعتاب كوباني سلسلة الانكسارات التي مُني بها مرتزقة داعش وتبدأ سلسلة تحرير المدن الواحدة تلو الأخرى حتى إنهاء وجودهم الجغرافيّ في الباغوز آخر معاقل مرتزقة داعش الإرهابيّة في شمال وشرق سوريا.
الاحتلال التركيّ لم يرق له ما يرى من انكسارات المرتزقة والإرهاب فسارع لدخول مناطق جرابلس بعد أن تمّ تحرير منبج من براثن “داعش” في آب 2016، ومن بعدها الباب في شباط 2017، وتتوالى أيضاً سلسلة التدخل المباشر والاحتلال الذي نفذه عام 2018 باحتلال عفرين تبعه في تشرين الأول 2019 احتلال سري كانيه وكري سبي/ تل أبيض بعد أن نفذ اجتياحاً وعدواناً دمويّاً أدى إلى تهجير عشرات الآلاف من السكان الأصليين، وتغيير ديمغرافيّ واسع النطاق، وانتهاكات ممنهجة من قبل المجموعات المرتزقة التابعة لأنقرة حيث فتحت تركيا أبواب الجحيم على مناطق كانت مستقرة نسبيّاً، وفرضت واقعًا عسكريًا بعيدًا عن أيّ شريعة قانون أو حقوق وكأنّما كانت تثأر للهزائم التي يُمنى بها مرتزقة داعش على الأرض.
في كل هذه العمليات العدوانية، لم تكن تركيا تسعى إلى تأمين حدودها فحسب، بل إلى خنق الإدارةِ الذاتيّةِ جغرافيًا وفصل مناطقها عن بعضها البعض وقطع تواصلها الاجتماعيّ والاقتصاديّ، بل وحتى الرمزيّ مع بعضها البعض وهو ما قاومته الإدارة الذاتيّة وقواتها المتمثلة بقوات سوريا الديمقراطيّة والتي ضمّت تحت جناحيها شابات وشبان من أبناء شعوب المنطقة تلاحمت قواهم للذود عن حياض المنطقة ودرء الخطر عنها. لم تكتفِ دولة الاحتلال التركيّ بالغزو العسكريّ فللحرب وجوه أخرى، فعمدت الى حربها الخاصة وذلك من خلال استخدام المياه سلاحاً رغم انتهاك هذه الخطوات للقوانين والعهود الدوليّة التي ضربت بها أنقرة عرض الحائط حيث قلّصت من تدفق مياه نهر الفرات إلى شمال وشرق سوريا، مسببةً كارثة بيئيّة وزراعيّة وإنسانيّة كما قطعت مياه محطة علوك المغذّي الأساسيّ لمدينة الحسكة وريفها وحرمان أكثر من مليون شخص من المياه الصالحة للشرب. إضافةً الى ذلك استخدمت تركيا كل أوراقها للمقايضات الإقليميّة في سبيل فرض حصار اقتصاديّ خانق، حيث أغلقت المعابر بفيتو روسيّ صينيّ في مجلس الأمن ودفعت حلفاءها المحليّين لمنع وصول المواد الأساسيّة في محاولةٍ لتركيع الإدارة من الداخل دون إطلاق رصاصة.
كما سارعت دولة الاحتلال الى دعم خلايا تخريبيّة تنفذ عمليات اغتيال لشخصيات سياسيّة وعسكريّة في الإدارة، وجنّدت العشرات من أصحاب النفوس الضعيفة ليكونوا عملاء وجواسيس، وأطلقت ماكينات إعلاميّة ضخمة لتشويه صورة المشروع برمته تارةً بالترويج على أن المناطق “انفصاليّة” وإنّ قسد كرديّة ولها أطماع توسعيّة لكن كل ذلك فنده الواقع على الأرض وكان يُظهر تعاوناً بين أبناء وبنات كل الشعوب من الكرديّ إلى العربيّ والمسيحي والإيزيدي وغيره من الأثنيات والأطياف.
ورغم كل ذلك؛ صمدت الإدارة الذاتيّة ولم تسقط، بل على العكس استمرت في عقد المؤتمرات وتنظيم المجالس المحليّة وافتتاح المدارس باللغات الأم وتقديم نموذجٍ يندر وجوده في منطقة ملتهبة وأبقت المشروع قابلاً للتطوير والتصحيح وهذا بحد ذاته كان كابوساً لأنقرة إلى يومنا الحاضر خصوصاً بعد أن شهدت العلاقات بين الإدارة الذاتيّة وقسد من جهة والحكومة الانتقاليّة التي جاءت بعد سقوط النظام من جهة أخرى بعض التحسن بالعلاقات فسارعت أنقرة لتكرار ذات الأدوات من أجل إفشال أيّ تقارب وطنيّ من هذا النوع.
خطر داعش لم ينتهِ
الإدارة الذاتيّة ورغم كل الضغوط التي طُبّقت عليها حافظت على تماسكها بتضحياتٍ جسيمةٍ وسعت إلى تثبيت نموذج الإدارة الديمقراطيّ وسط كلّ هذه العواصف، إلا أنّ بقايا مرتزقة “داعش” لا تزال تتربص في الظل تنتظر لحظةَ ضعف، أو شرخًا أمنيًا أو بوابة فوضى جديدة كي تعود إلى الواجهة.
وهذا ما تسعى اليه دولة الاحتلال التركيّ مراراً وتكراراً منذ هزيمة داعش العسكرية في الباغوز عام 2019، لأنه داعش لم يُهزم فكريًا ولا تنظيميًا بالكامل، بل هزم عسكرياً وتحوّل من علني ظاهر إلى خلايا نائمة متخفية، تنتشر في الصحراء والبادية السوريّة وتندس في المخيمات، وتضرب حيث لا يُتوقع ويتمتع متزعموه بأجواء آمنة في المناطق التي تحتلها تركيا.
خبراء في شؤون الجماعات الإرهابية يؤكدون أن مرتزقة داعش وبعد خسارتهم لمعاقلهم في الرقة ودير الزور والباغوز، اختفوا عن الأنظار كتنظيم مركزيّ، لكنه سرعان ما أعاد تنظيم صفوفه بشكلٍ جديد… مجموعات صغيرة، خلايا عنقودية، تواصل عبر الوسائط المشفرة، وتكتيكات تعتمد الكرّ والفرّ هذه الخلايا بدأت تنشط في ريف دير الزور والبادية السوريّة هدفها الوصول إلى المخيمات التي تعتبر ثقل بشري مؤيد لداعش مثل مخيمات الهول وروج في شمال وشرق سوريا.
ففي الهول تتواجد آلاف النساء والأطفال من عائلات مرتزقة داعش، لا يشبه المخيم أي منشأة إنسانية تقليدية، بل هو أقرب إلى ولاية صغيرة لداعش، حيث تُمارس نساء داعش الدعوة والتجنيد، وتُرتكب عمليات قتل بحق من يخالفهن، وسط بيئة من التطرف والانفجار المحتمل وإمكانية إنتاج جيل جديد أكثر تطرفاً من الذي سبقه وسط عجزٍ دولي عن حل هذا الملف وإنهاء خطره.
فالإدارة الذاتيّة تدرك حجم التهديد وتحاول ضبط الأمن داخله لكن الإمكانيات محدودة والمجتمع الدولي يتقاعس عن تحمل مسؤولياته خصوصًا أن أغلب نساء المخيم يحملن جنسيات أوروبية وآسيوية ترفض بلدانهم استعادتهم ويرفض المجتمع الدولي إطلاق برامج فعلية لإعادة دمجهم في مجتمعاتهم أو إيجاد صيغة مناسبة لتفكيكه وإنهاء خطره.
مدير المرصد السوريّ لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن؛ أكد خلال تصريحات إعلامية إن “قسد ليست فلول نظام، وقسد ليست مجموعات مسلحة، قسد قاتلت تنظيم داعش الإرهابي وقتلت منهم الكثير كما قدمت تضحيات كبيرة قدمتها إبان عمليات تحرير جزء كبير من الأراضي السوريّة ونعلم جيداً كيف تنظم السلطات السوريّة الحملات الإعلامية التي تهدف لتشويه صورة قسد”.
لكن ما يزيد الخطر تعقيدًا هو أن دولة الاحتلال التركيّ تسعى جاهدة لتوفير بيئة مناسبة لخلايا داعش؛ بغية الوصول إلى المخيم وإخراج من فيه لخلق بيئة مثالية لعودة “داعش” ففي كل مرة تقصف فيها دولة الاحتلال البنية الأمنية أو تستهدف قادة من “قسد”، تهدف بذلك إلى إضعاف قدرة ملاحقة خلايا داعش.
وفي بعض العمليات، استغلّ داعش الفوضى الناتجة عن قصف الاحتلال التركيّ لشن هجمات متزامنة، كما حدث في الحسكة في كانون الثاني 2022، حين نفّذ عملية إرهابية كبرى للهجوم على سجن الصناعة، في محاولة لإخراج الآلاف من عناصر المرتزقة المحتجزة داخله لكن قوات سوريا الديمقراطيّة كانت الأكثر قدرة على امتصاص الهجمة والتعامل معها بسرعة منقطعة النظير.
سقط النظام ولم تسقط الذهنية
في خضم كل هذا الضغط المطبق على قوات سوريا الديمقراطيّة والإدارة الذاتيّة واصلت تمسكها بنهجها الديمقراطيّ لحين سقوط النظام السابق أواخر عام 2024 ومطلع العام 2025 حيث وصلت الحكومة الجديدة الانتقاليّة رافعة شعار التحول نحو الديمقراطيّة والتعددية.
لكنّها ومنذ اللحظة الأولى اختارت أن توجّه أسلحتها لا إلى من دمّر البلاد طيلة عقود بل إلى مشروع ديمقراطيّ ناشئ في شمال وشرق سوريا، إلى الإدارة الذاتيّة التي اختارت أن تبني بدلًا من أن تهدم وأن تنظّم الحياة من الأسفل إلى الأعلى لا عبر أوامر فوقية صدئة.
ومع ذلك كان هناك فرصة حقيقية عوّل عليها كلا الجانبين إلى جانب عموم الشعب السوريّ وهو التوافق الذي نصت عليه اتفاقية العاشر من آذار بين رئيس المرحلة الانتقاليّة أحمد الشرع والقائد العام لقوات سوريا الديمقراطيّة مظلوم عبدي ما فتح آفاق كبيرة للحوار وإمكانية خلق فرص مناسبة للحل على الساحة السوريّة بعد سقوط النظام.
هذا ما لم يَرُق للاحتلال التركيّ الذي واصل الضغط باتجاه عرقلة أي مساعي للحل في البلاد وذلك من خلال التحريض القوميّ والطائفي وبث السموم الإعلامية التي تحاول دق أسفين بين صفوف الشعب السوريّ حتى وصل الحال إلى عرقلة تطبيق الاتفاقيات واتباع سياسية شراء الوقت واللعب على عامل الزمن من خلال المماطلة من قبل الحكومة السورية الانتقاليّة وهو ما يهدد إنجاح الاتفاق والتفاهم مع الإدارة الذاتيّة وقوات سوريا الديمقراطيّة.
ربما ما يثير السخرية أن الحكومة الانتقاليّة رغم أنها جاءت كبديل عن الاستبداد تبنّت أدوات النظام القديم نفسها في التعاطي مع الشعب السوريّ وأطيافه وتنوعه وغناه بدلًا من الإصغاء لأصوات الشعوب راحت تُسكتهم بالتحريض وبدلًا من الاعتراف بالفشل في بناء بديل جامع راحت تلقي اللوم على من اختار طريقًا آخر.
حتى وصل الحال بالحكومة الانتقاليّة أن تتعامل مع الإدارة الذاتيّة في خطابها الإعلامي بانفصامٍ كبير عن الواقع متجاهلةً أن هذه الإدارة تشكلت من أبناء المنطقة واحتضنت العرب والكرد والمسيحيين والإيزيديين وبنت نموذجاً للعيش المشترك لم يعرفه السوريّون منذ عقود طويلة.
حيث بثّت القنوات الرسمية وشبه الرسمية وغير الرسمية عبر مواقع التواصل الافتراضي التي تمول من أجهزة الاستخبارات التركيّة عشرات البرامج والمواد التي تصوّر الإدارة الذاتيّة كمجرم يجب محاكمته، لا كشريك يجب الإنصات له.
مدير المرصد السوريّ رامي عبد الرحمن بين إن “الحرب الإعلامية ضد قسد ليست فقط حرب من قبل الذباب الإلكتروني إنما هي حرب ممنهجة وبتوجيهات من الحكومة الانتقاليّة السوريّة التي تريد أن تضغط على قسد لتكون ورقة ضغط تحصل من خلالها على مكاسب سياسية وعسكرية من قسد”.
تدرك الحكومة الانتقاليّة إن نقطة القوة في الإدارة الذاتيّة هي تعددها الإثني والديني والذي تفتقده الحكومة بدمشق لذلك ركزت حملاتها الإعلامية على ضرب هذه القيم تم الترويج أن الكرد يضطهدون العرب وإن الإدارة الذاتيّة تُقصي الشعوب الأخرى وتم اجترار خطابات طائفية وعنصرية تهدف إلى زعزعة الواقع لكن كل هذه المحاولات بائت بالفشل ومرةً أخرى أثبتت الإدارة الذاتيّة انتصارها وقوة تماسكها الوطني والمجتمعي لأن الأسس التي بنيت عليها متينة متماسكة وليست هجينة مهترئة كما يحاول أعداءها تصويرها.
الإدارة الذاتيّة اليوم ليست مجرد كيان سياسي أو إداري بل فكرة تتجذر أن شعوب المنطقة قادرة على إدارة شؤونها بعيدًا عن الوصاية الخارجية أو السلطات القمعية فكرة التعايش والمساواة، وحق المرأة في القيادة، ومبدأ اللامركزيّة، كل ذلك يهدد أنظمة قائمة على القوميّة والراديكالية والتطرف. لذلك؛ بقيت الإدارة الذاتيّة منارة وسط أمواجٍ عاتية يستهدى بها كل من أتاه درب الحرية.