دجوار أحمد آغا
منذ انطلاق الاحتجاجات الشعبية الأولى في دمشق منتصف آذار 2011، والشعب السوري يبحث عن حريته المسلوبة، من جانب نظام أمني قمعي استبدادي استمر لأكثر من نصف قرن من الزمن، نظام استولى على السلطة في دمشق عبر انقلاب قائده حافظ الأسد ضد رفاق الأمس، تحت مسمى “الحركة التصحيحية” في العام 1970.
الشعب السوري انطلق إلى الشوارع والساحات على كامل جغرافية الوطن، ليُكسر حاجز الخوف والرعب الذي عاشه في زمن النظام البائد، كان الشعب يخشى حتى التحدث في منزله، خشية وصول الخبر للجهات الأمنية التي لا ترحم، وكان الناس يتداولون فيما بينهم جمل تُعبّر عن الرعب الذي عاشوه مثل (الحيطان لها آذان).
الشعب السوري خرج نتيجة ظلم وطغيان النظام البعثي العنصري، الاستبدادي، هذا الشعب لاقى الويلات خلال مسيرة تحرره التي استمرت لأكثر من 14 عاماً، كانت مليئة بالاعتقال، والتعذيب، والتهجير، والضياع، والقتل والتدمير، شعب عانى الأمريين على يد سلطات النظام البائد، والمجموعات الإرهابية والمرتزقة، التي جاءت من كل حدب وصوب متوجهة إلى سوريا، لتعلن عن تأسيس ما أسمته بالدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، التطرف الذي ضرب وحدة السوريين، الذين رفعوا بداية احتجاجاتهم وثورتهم السلمية شعار “واحد واحد واحد الشعب السوري واحد”، وحوّل هذه الثورة الشعبية إلى مواجهة ونوع من حرب أهلية مدّمرة.
سقوط النظام الأمني الاستبدادي
بعد مرور الوقت وتعمق الأزمة السورية، وعدم وجود أفق لحل سياسي سلمي عبر الحوار والتفاوض، سواء من خلال مسار مفاوضات جنيف، أو عبر مستار آستانا الذي جعلت منه روسيا وإيران حليفتا النظام، بديلاً عن جنيف، وضمت تركيا والنظام اليها، ومع سيطرة مرتزقة “داعش”، على معظم الأراضي السورية، وإعلان الخلافة وجعل الرقة عاصمة له، ومن ثم التوجه صوب كوباني المدينة الكردية السورية، على الحدود الشمالية مع تركيا، والتي دافعت عنها وحدات حماية الشعب، ووحدات حماية المرأة، بأسلحتها الخفيفة، ومن ثم تدخلت الولايات المتحدة الأميركية، عبر إقامة تحالف دولي لمحاربة الإرهاب، ضم ما يقرب من 72 دولة، وبدأت بقصف عناصر داعش الأمر الذي ساعد في دحره بكوباني، والتي أصبحت بداية النهاية له.
ورغم ذلك، لكن، لم يتعظ نظام البعث، واستمر في غطرسته وعنجهيته المعتادة، إلى أن بدأت هيئة تحرير الشام وحلفائها، بعد الحصول على الموافقات الدولية بعملية “ردع العدوان”، والتي تم من خلالها السيطرة على المدن السورية تباعاً حلب، حماة، حمص، وصولاً إلى العاصمة دمشق، والتي شهدت هروب رأس النظام وحاشيته تحت جنح الظلام إلى روسيا وانهيار جيشه العقائدي.
أعلنت الحكومة السورية القائمة استقالتها، ووضع رئيس الحكومة نفسه تحت تصرف الحكومة السورية المؤقتة، الجديدة برئاسة أحمد الشرع، وشكّل حكومة مؤقتة بدأت بتسيير أمور البلاد وفق ما تقتضي المصلحة العامة حسب ذكرهم.
وبدأت الوفود العربية والدولية، بالقدوم إلى دمشق، وتهيئة الظروف لعودة سوريا إلى حالتها الطبيعية، في خضم كل هذه الأوضاع والتطورات المتسارعة، كانت قوات سوريا الديمقراطية، التي أُسِّست في العام 2015، تقوم بحماية مناطق شمال وشرق سوريا، في مواجهة المجاميع التي تدعمها تركيا، والتي كانت تسعى إلى احتلال المزيد من الأراضي السورية، كما أنها أكّدت على لسان القائد العام لها، مظلوم عبدي، بأنه “لا يوجد أي عداء بينها وبين السلطة الجديدة، وهي منفتحة على الحوار وحل القضايا العالقة بين الطرفين”.
اتفاق العاشر من آذار 2025
العاشر من شهر آذار 2025، شهد حدث سوري وطني هام جداً، وهو توقيع الاتفاق بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، ورئيس الحكومة الانتقالية، أحمد الشرع، الاتفاق جاء بدعم كبير من جانب أصدقاء الشعب السوري، الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وألمانيا، والمحيط العربي، وخاصة المملكة العربية السعودية، ومصر، والإمارات، الذين ساهموا إلى حد كبير في التوصل إلى هذا الاتفاق، الذي يهدف بالدرجة الأولى الحفاظ على وحدة سوريا أرضاً وشعباً، وحل القضايا العالقة بين الطرفين، عبر التفاوض والحوار، بعيداً عن المواجهة والصراع العسكري، الذي لن يكون في مصلحة أحد سوى أعداء الشعب السوري. والاتفاق نص على عدة بنود وهي: “1 ـ ضمان حقوق جميع السوريين في المشاركة بالعملية السياسية، وكافة مؤسسات الدولة بناءً على الكفاءة، دون تمييز ديني أو عرقي.
2ـ الاعتراف بالمجتمع الكردي كجزء أصيل من الدولة السورية، وضمان حقوقه في المواطنة والحقوق الدستورية.
3ـ وقف إطلاق النار على جميع الأراضي السورية لإنهاء النزاع المسلح.
4ـ دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا، ضمن إدارة الدولة السورية، بما في ذلك المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز.
5ـ تأمين عودة جميع المهجرين السوريين إلى مدنهم وقراهم، وضمان حمايتهم من قبل الدولة السورية.
6ـ دعم الدولة السورية في مواجهة بقايا نظام الأسد، وجميع التهديدات التي تستهدف أمن سوريا ووحدتها.
7ـ رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفرقة بين كافة مكونات المجتمع السوري.
8ـ تعمل وتسعى اللجان التنفيذية على تطبيق الاتفاق بما لا يتجاوز نهاية العام الحالي”.
جولة إيجابية من المفاوضات
الوفد الذي ذهب إلى دمشق، كان برئاسة فوزة يوسف عضوة الهيئة الرئاسية في حزب الاتحاد الديمقراطي، وضم الوفد، ممثلين عن العرب، والسريان، وعن القوات العسكرية، حيث قام بعقد الجولة الأولى من المفاوضات، مع ممثلي الحكومة السورية الانتقالية بتاريخ الأول من حزيران 2025 في أجواء إيجابية، حسب التصريحات التي صدرت من الجانبين، واتفق الطرفان على تشكيل لجان فرعية مشتركة، تقوم بمتابعة القضايا الإدارية، والخدمية، والاقتصادية، والأمنية؛ بهدف تعزيز التكامل، وادماج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن الدولة السورية، اللافت في الأمر حرص الطرفين على مواصلة الحوار وتعزيز العمل الوطني المشترك، لما فيه من حماية وحفظ وحدة سوريا.
رغم وجود الكثير من العراقيل التي يضعها البعض أمام استمرار المفاوضات بين الطرفين، وتنفيذ بنود الاتفاق، إلا أن الحوار والتفاوض لحل الخلافات مستمر بين الجانبين، ولمسنا على أرض الواقع، تطبيق بعض البنود، كاتفاقية حيي الشيخ مقصود، والأشرفية، في حلب، عبر تبادل المعتقلين بين الطرفين، والتنسيق في الكثير من القضايا، وأيضاً الاتفاق الذي تم في مسألة تقديم الامتحانات للشهادتين الإعدادية والثانوية، وفق منهاج النظام في مناطق الإدارة الذاتية، وقيام وفد من الحكومة السورية الانتقالية يضم معاون وزير الداخلية السوري، أحمد لطوف، وعدد من المسؤولين في الداخلية، والتربية، بزيارة مناطقنا، ومتابعة عملية الامتحانات في مدينتي قامشلو، والحسكة، برفقة الرئيسة المشتركة لهيئة التربية في الإدارة الذاتية، سميرة حاج علي، واللواء علي الحسن، المدير العام لقوى الأمن الداخلي، ما يؤّكد أن الأمور تسير بالاتجاه السليم، ما يتوجب ضرورة الإسراع في تطبيق بنود الاتفاقية كاملةً، بما يخدم أمن واستقرار المنطقة وسوريا.