أيمن روج
عبارة عنصرة الوطن ليست مصطلحاً شائعاً أو متداولاً بشكلٍ واسع في الأدبيات السياسية أو الاجتماعية، ولكن يمكن تفسيرها بناءً على تركيب الكلمة وسياقها المحتمل.
عنصرة: مصدر مشتق من عنصر وتشير إلى تحويل شيء إلى طابع عنصري أي التعامل معه على أساس التمييز العرقي أو الطائفي أو الاثني. والوطن: يشير إلى الدولة أو الأرض التي ينتمي إليها الإنسان.
عنصرة الوطن تستخدم للدلالة على جعل الانتماء للوطن مبنياً على أُسس عنصرية أو عرقية أي أن يُفضل شعب معين من شعوب المجتمع ويُقصى ويُهمش الآخرون، وكذلك يتم فرض هوية قومية أو طائفية واحدة على حساب بقية الهويات الوطنية وهو ما يهدد التعددية داخل المجتمع، ويتم تمييز المواطنين على أساس الأصل أو الدين أو اللغة بدلاً من المواطنة المتساوية.
– ومن مساوئ العنصرة على مستوى الوطن والمجتمع:
– أولاً: تفكيك النسيج الاجتماعي، حيث تفكك المجتمع وتحوّل إلى طوائف أو جماعات متناحرة بدلاً من شعب موحّد وتزرع العداوة والشك بين الشعوب المختلفة.
ـ ثانياً: إضعاف الهوية الوطنية، حيث يتم تفضيل جماعة عرقية أو دينية على غيرها، وتصبح الهوية الوطنية ضعيفة، وتستبدل بالهويات الضيقة (القبلية ـ الطائفية)
– ثالثاً: تأجيج الصراعات والحروب، كثير من الحروب الأهلية في العالم اندلعت بسبب العنصرة مثل ما حدث في رواندا – البوسنة – لبنان – سوريا.
– رابعاً: تراجع التنمية، المجتمعات العنصرية لا تدار بالكفاءة بل بالمحسوبية والانتماء مما يؤدي إلى تدهور في الإدارة والتعليم والاقتصاد.
– أما على مستوى الأفراد فيؤدي إلى:
– أولاً: الإقصاء والتهميش، فالفئات التي لا تنتمي إلى الجماعة المفضلة تُحرم من الفرص والحقوق المتساوية في التعليم والوظائف والمشاركة السياسية.
– ثانياً: زرع الكراهية والاحتقان، فالعنصرية تجعل الأفراد يحملون الحقد على الدولة والمجتمع مما يُسهم في التطرف أو العنف أحياناً.
– ثالثاً: ضعف الشعور بالانتماء، المواطن الذي يعامل كمواطن درجة ثانية يفقد الإحساس بالانتماء للوطن. فالدول التي تُبنّى على التمييز العنصري أو الطائفي حتى وإن بدت قوية لفترة تكون هشة من الداخل وتنهار بسهولة عند الأزمات فالعنصرة تقوّض أسس العدالة والوحدة والكرامة الإنسانية، وتُضعف أي مجتمع مهما كان غنياً أو متقدماً والمجتمعات الناجحة هي تلك التي تحتضن التنوع وتحترم التعدد وتبنى على قاعدة المواطنة المتساوية.
فالبديل الحقيقي والعادل هو المواطنة المتساوية، وهي التي تعامل الأفراد بوصفهم مواطنين لا أعراق أو طوائف، وتمنحهم حقوقاً متساوية وتكلفهم بواجبات موحدة، وهي دعوة لإرساء نظام يقوم على العدالة الاجتماعية والتعددية والاعتراف بالاختلاف، والاندماج الوطني.
إن بناء وطن عادل لا يتحقق بالشعارات بل عبر قوانين عادلة ومؤسسات نزيهة وثقافة عامة، تحتفي بالاختلاف، ولابد من الاستثمار في التعليم والإعلام لنشر قيم التسامح وتعليم الأجيال القادمة إن قوتنا في تنوعنا وإن الوطن يسع الجميع. دون تمييز أو إقصاء وتشجيع ثقافة الحوار بين الشعوب المختلفة لبناء الثقة وتعزيز التفاهم المشترك.
وما مفهوم وفلسفة الأمة الديمقراطية الأخير إلا دليل في إدارة المجتمع الذي يسعى إلى تنظيم المجتمع على أساس التشاركية – التعدد – المساواة واحترام الحريات دون ربط الهوية الوطنية بعرقٍ أو دين أو لغة، وبناء مجتمع يُدار من قبل أبنائه دون إقصاء أو احتكار للهوية أو القرار.