No Result
View All Result
د. علي أبو الخير
بعد الانتهاء من الحرب بين إيران وإسرائيل؛ والذي اعترته إسرائيل والرئيس دونالد ترامب نصراً وجودياً توراتياً؛ وكذلك ما سبقه من حروب الإبادة في غزة ولبنان وسوريا، فبدأت إسرائيل الترويج لفكرة تأسيس شرق أوسط جديد تكون إسرائيل هي القوة المهيمنة والمتحكمة في أي تجمع يدخل حظيرة السلام الصهيوني العنصري؛ ثم بدا أن تل أبيب تتحرك بأقصى ما تملك من قوة، لإعادة رسم خريطة المنطقة متسلحة بما تصفه بـ “نصر استراتيجي” على العدو الأخطر، ومروجة لفكرة شرق أوسط جديد تنحسر فيه مكانة إيران وتتلاشى القضية الفلسطينية وتذوب الشخصية العربية.
ولم تكن الخريطة التي عرضها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل عدة أشهر في الأمم المتحدة وغابت عنها الضفة الغربية وقطاع غزة مجرد صورة رمزية، وفق المتابعين تمثل جزءاً من تصور إسرائيلي لواقع إقليمي جديد تُحسم فيه القضايا العالقة بالقوة، وتتقدم فيه إسرائيل إلى صدارة المشهد كقوة مهيمنة في منطقة الشرق الأوسط؛ والتي تشمل معها تركيا وإيران وباكستان؛ وعندها لن نندهش عندما يروج قادة الصهيونية علانيةً لفكرة من النيل إلى الفرات.
الرؤية المصرية
إن الترويج الإسرائيلي لفكرة الشرق الأوسط الجديد اصطدم بالرؤية المصرية؛ وقال الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية المصري رداً على تصريحات القادة الإسـرائيليين أنهم يزعمون أنهم يعملون على تغيير وجه الشرق الأوسط، بأنها “محض أوهام”؛ وأوضح خلال تصريحات تلفزيونية إن منطقة الشرق الأوسط بها أطراف فاعلة، وأي حديث عن الأمن الإقليمي مرهون بإرادة الدول الموجودة في الإقليم، وليس بإرادة دولة بمفردها؛ وهو ما يعني رفض مصر على المستويين الشعبي والرسمي؛ ومصر دولة محورية في الإقليم وهي قائدة النهضة والتنوير.
تقوم العقيدة السياسية المصرية على ثلاثة أركان:- العمق التاريخي – القوة الناعمة – الامتداد الحيوي المصري نحو الشام؛ وهي أركان ثلاثة يتفرع منها قوى مصرية مختلفة تؤثر في المنطقة سلماً أو حرباً؛ فالقوة الناعمة المصرية شملت كل مجالات الوعي من خلال التأثير الناعم على دول المنطقة من فنون وآداب ودراما وسينما وكتاب ومفكّرين وفنانين وعلماء في مختلف التخصصات؛ وفيها الإمام الأكبر شيخ جامع الأزهر؛ هو أمام أكثر من مليار مسلم؛ وكذلك وجود أقدم الكنائس المسيحية تسمى الكنيسة الأرثوذكسية (أي الصحيحة والمستقيمة)؛ وكلها كوادر بشرية أثرت العالم حتى أنها أثرت وأثّرت في الفكر اليهودي ذاته عندما عاش اليهود أكثر من إلفي عام على الأرض المصرية؛ ولم يعُد اليهود للعنصرية إلا بعد تفشي الدعوة الصهيونية.
إن الخطر لمصر عادة كان يأتي من الشمال الأوروبي، الرومان والفرنسيين والبريطانيين؛ وتنتصر مصر في كثير من المعارك فطردت الرومان قديماً والفرنسيين حديثاً بقيادة نابليون بونابرت ثم انتصرت وتحررت من الاحتلال البريطاني، لكن النشاط الأكبر للمجال الحيوي المصري دوماً نحو الشرق، حيث الشام، وحروب الدولة المصرية الكبرى كانت في الشام مثل قادش بقيادة رمسيس الثاني وحطين بقيادة صلاح الدين، وَعين جالوت بقيادة سيف الدين قطز؛ وحكمت مصر الشام والحجاز واليمن طوال العصور الطولونية والاخشيدية والفاطمية والأيوبية والمملوكية، ثم وقعت تحت الاحتلال العثماني عام ١٥١٧- ١٨٠٥… وآخر محاولة لوحدة هذا التجمع ما قام به محمد علي، ولعل من أهم أسباب زرع دولة إسرائيل في فلسطين هو منع وحدة مصر والشام؛ ونرى أن وجود الكيان امتداد طبيعي، للحروب الصليبية؛ وهي حروب عقائدية في المقام الأول.
ونعود للفكرة الإسرائيلية التي تروّج للشرق الأوسط الجديد؛ وسوف نجد إن مصر بتراثها وفكرها تقود، ولا أحد يقودها؛ ونلاحظ إنه منذ توقيع معاهدة السلام بين مصر والكيان عام 1979 ظلَّ السلام حتى اليوم بارداً لا طعم له، وتخشى إسرائيل من التحرش السياسي أو العسكري بمصر؛ ولا ننسى العمق الديني الرافض للصهيونية عند كافة المسلمين؛ وهو يمثل سنداً معنوياً هائلاً لمصر وباقي الدول الإسلامية، وتقوم الرؤية المصرية على ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية؛ وهي رؤية تناقض مشروع الشرق الأوسط الإسرائيلي؛ وهو ما أكد عليه مراراً الرئيس عبد الفتاح السيسي وأعلن أن إسرائيل لن تجني السلام إلا بحلِّ القضية الفلسطينية حتى لو سالمت كل الدول
إن قدرة مصر على التأثير في مجريات الأحداث في المنطقة والعالم كبيرة أكثر من قدرة دولة غنية هنا أو دولة تتعامل مع الإمبريالية هناك وهي الأقدر على التصدي لأي مشروع عدواني صهيوني مدعوم من الرأسمالية العالمية….. سوف تنتصر الرؤية المصرية.. والأيام بيننا..
No Result
View All Result